
عبادة اللدن
يتجنّب “الحزب” حتّى الساعة الصدام المباشر مع الجيش، كما مع رئاسة الجمهورية، لكنّ قرار المواجهة متّخذٌ وناجز من طهران إلى الضاحية، وفي بوادره رسائل تحذيرية تجاه قوى الأمن الداخلي، امتداداً لاختيار “الحزب” التعبئة ضدّ رئاسة مجلس الوزراء والمملكة العربية السعودية، بوصفهما “العدوّين” الأساسيّين في معركة التمسّك بالسلاح.
مرّ “الحزب” بشيءٍ من الإرباك في صياغة استراتيجية المواجهة حين مضى رئيسا الجمهورية والحكومة في وضع مسألة السلاح على طاولة مجلس الوزراء، لكنّها باتت واضحة الآن: لن يسلّم “الحزب” السلاح. وتحت هذا السقف يصوغ “الحزب” ما شاء من خطاب المواءمات والضرورات، ويبقي على مشاركته في الحكومة، لكن على قاعدة: “قرّروا ما شئتم، لكن نفّذوا إن استطعتم”.
وما من لبسٍ في أنّ القرار متّخذٌ على المستوى الأعلى في إيران. فالسلاح الذي استثمرت فيه طهران لنصف قرنٍ لا يمكن أن يُترك مصيره لورقة أميركية أحاديّة خارج سياق التفاوض معها. وما من وظيفة لزيارة الأمين العامّ لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني لبيروت سوى إبلاغ من يهمّه الأمر بهذا القرار. فهو أتى ليقول إنّ اللبنانيين “أحرارٌ” باتّخاذ أيّ قرارٍ، بشرط أن يوافق عليه سلاح “الحزب”!
يُنتج “الحزب” قضيّة جديدة للشيعة، مستنهضاً بيئته لتقديس السلاح وتحريم نزعه، بوصفه ضمانة لوجود الطائفة ودورها وخروجها من الحرمان إلى المشاركة في الحكم. فما ساقه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد في مقابلته التعبويّة على قناة المنار، لم يبقَ فيه شيءٌ من الاعتناء بإقامة الحجّة على فاعليّة السلاح في ردع إسرائيل أو ردّ عدوانها، بل بات السلاح بحدّ ذاته قضيّة الشيعة والضمانة لوجودهم. فهو ساوى السلاح بـ”الشرف”، وفضّل الموت على تسليمه. فأيّ معنى بعد ذلك للنقاش في الاستراتيجية الدفاعية وحصر السلاح بيد الدولة؟
بهذا المعنى تكون عبارة “بلطوا البحر” موجّهةً للبنانيين. وأمّا إسرائيل فلا يُقال لها ذلك، وربّما أمرها متروك للتفاوض بين طهران وواشنطن.
