شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عارف العبد 

كما هو متعارف عليه، فإن هدف العمل السياسي في أغلب الأحيان، وفي لبنان على وجه الخصوص، هو الفوز والنجاح في تحقيق وزيادة وتأمين وتبادل المصالح السياسية والمنافع الحزبية. وفي هذا السياق، فإن مرحلة سابقة انتهت وذهبت، وتلاشت معها مصالحها وأهدافها بالنسبة لقوى سياسية.

انطلاقاً من ذلك، فقد بدأت مع نهاية معركة الإسناد وطوفان الأقصى بنتائجها الكارثية على لبنان، مرحلة أخرى جديدة، وجديدة بشكل كامل. حيث بدأ البحث بالنسبة للقوى الرئيسية والأساسية عن أهداف مستجدة، وبالتالي العمل لتأمين منافع ومصالح وأهداف مستحدثة للمرحلة الآتية. 

الكلام والموقف، الذي صدر عن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، في الأيام الماضية، والذي أعلن فيه تأييده ودعمه لقرار الحكومة حصر السلاح بيد قواها الأمنية الرسمية، هو بمثابة الكلام الأوضح، الذي تبلغ عبره حزب الله، فك أواصر التعاون والتقاطع السياسي مع التيار الوطني الحر مرحلياً، الذي كان أعلن عبر تفاهم مار مخايل الشهير في شباط 2006، ودفعت البلاد أثماناً باهظة نتيجته، وما تخلله من التجميد والتعطيل والتدليع والتراجع والجمود الاقتصادي والإداري والإنمائي، والتأخر والارتباك السياسي، نتيجة سياسة الوفاء والاسترضاء.

وإذا كان التيار الوطني الحر، قد قبض ثمن هذا التفاهم والتغطية لحزب الله، تحقيق حلم مؤسسه التاريخي ميشال عون، بالوصول إلى سدة الرئاسة الأولى، فإن حزب الله قد أمن في المقابل عبر هذا التفاهم، التغطية السياسية والطائفية، ومساندة أكبر قوة مسيحية مارونية يومها في مواجهة طوفان وانتشار وتمدد قوى 14 أذار، ونتائج جريمة اغتيال رفيق الحريري المدوية في لبنان والمنطقة.

لم يكن ممكناً لحزب الله تمويه وتغطية وتمييع ومواجهة تداعيات جريمة اغتيال الحريري بكل أبعادها، وما تبعها، إلا عبر استخدام التفاهم مع التيار الوطني الحر في مار مخايل، و من ثم إيصال ميشال عون إلى الرئاسة الأولى. وقد فعلها بنجاح واتقان مع كل أثمانها وكلفتها، وما رتبته من نتائج كارثية على لبنان.  

كان اجتماعاً فريداً من نوعه قبل أيام، هذا الذي جرى في مقر الحزب الشيوعي اللبناني الأسبوع الماضي في منطقة “الوتوات”، والذي استقبل فيه أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب وربما للمرة الأولى في مقره، وفداً من حزب الله برئاسة نائب رئيس المجلس السّياسي للحزب الوزير السّابق ​محمود قماطي​، بحضور وفد قيادي موسع من الحزب الشيوعي، للبحث في القرار الذي اتخذته الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، وطلبت من الجيش وضع خطة تنفيذية له. 

وقد تركز هم الرفاق المجتمعين، تحت يافطة الحزب الشيوعي الممهورة والمزينة بالعلم اللبناني، على دراسة سبل مواجهة قرار الدولة الجائر والمتسرع، والتصدي له حتى لو اقتضى الأمر إسقاط النظام الطائفي التحاصصي دفعة واحدة وبضربة قاسمة وحاسمة، حسب تعبير الرفيق حنا، ومن ثم الانصراف إلى أعمال التحرير والمقاومة من دون تردد أو تهاون! 

ليس اكتشافاً القول، إن الرصاصة الأولى للمقاومة الوطنية اللبنانية، ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد غزو واحتلال بيروت عام 1982، كانت رصاصة شيوعية يسارية، أطلقاها وقاداها ونظماها، محسن إبراهيم وجورج حاوي، اللذان أسسا ما عرف بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، واطلقا أعمال المقاومة المسلحة في مواجهة الاحتلال، والتي عرفت اختصارا باسم “جمول”، وهي الجبهة التي أطلقت وحركت وأدارت وشرعت أعمال مقاومة الاحتلال المسلحة في بيروت، وانتشرت إلى باقي المناطق المحتلة الأخرى، بعد انضمام الحزب السوري القومي الاجتماعي إليها، فيما بعد، بعد أن ساهم في الانطلاق في أكثر من موقع ومكان.

وليس اكتشافاً ولا جديداً القول، إن القرار الإقليمي وتحديداً السوري الإيراني، كان في أن تحصر أعمال المقاومة بجهات وأطراف محددة وتحديداً بحركة أمل وحزب الله، وقد دُفعت الأثمان الباهظة من الأرواح والدماء والطاقات، من أجل حصر أعمال مقاومة إسرائيل المسلحة، فيما بعد بحزب الله فقط، لأهداف سورية إيرانية تكتيكية واستراتيجية، باتت معروفة. وبذلك أزيح بعد التصفيات اليساريون والشيوعيون والقوميون السوريون، عن مقاومة إسرائيل. وتم تلزيم أعمال مقاولة المقاومة وحصرها، و”تسلبط” واحتكرها حزب الله بتغطية من مفارز وكواتم وعبوات، غازي كنعان وأزلامه في لبنان، لإدارة عمليات وأعمال المقاومة ومجدها وانتصاراتها.

حقبة السيطرة والاحتكار، التي فرضها حزب الله على أعمال المقاومة بوجه إسرائيل، مرت بمرحلتين، اختلفت كل واحدة منهما عن الأخرى. الأولى توقفت عند التحرير عام 2000، ليعاد تجديدها بعد ذلك بتعاون سوري لبناني مدروس عبر ابتداع واختراع ورفع قضية وراية مزارع شبعا المحتلة.

مدد التزام واحتكار حزب الله لأعمال المقاومة، حتى واقعة الوعد الصادق المدمرة، الذي لم يكن السيد حسن نصرالله، يعرف أو يتصور نتائجها في عام 2006.

يمكن اعتبار المعركة الأخيرة، بمثابة امتداد للالتزام السابق الذي انطلق في معركة الوعد الصادق والتي باتت نتائجها الآن معروفة ومعممة ومعمول بها ومصادق عليها.

المعطيات الجديدة بكل أبعادها السياسية والأمنية، مع احتساب انقطاع “شريان الدعم الأبهر” الذي كان يربط إيران بلبنان عبر سقوط نظام البعث في دمشق، أفضت إلى اقتلاع اسم حافظ الآسد عن الجادة الرئيسية في بيروت وابدالها باسم زياد الرحباني كلي الطوبى، بالتزامن مع مقتل المدعو “أبو سلة” راس عصابات ترويج المخدرات والممنوعات والفرارية في البقاع. وسط كل ذلك تلقى المسؤول الايراني علي لاريجاني بهدلة وشرشحة سياسية معتبرة وللمرة الأولى من المسؤولين الللبنانين، مداورة بين االقصر الجمهوري والسراي الكبير.

لهذه الأسباب كلها مجتمعة، كان أحس حزب الله، أن المعطيات كل المعطيات السابقة، قد تغيرت، وتبدلت، وفقد الاغطية السابقة، ولهذا كان قد انطلق في العمل للبحث عن تغطية سياسية، جديدة تلائم المرحلة المقبلة بمعطياتها المستجدة المفروضة.

فاضافة إلى زيارته واجتماعه واعترافه المستجد بدور الحزب الشيوعي المقاوم! في وجه إسرائيل بعد طول إهمال وتجاهل واحتقار واضطهاد واستتباع سابقاً، زار وفد حزب الله أيضاً الحزب السوري القومي الاجتماعي برئاسة أسعد حردان، للأهداف نفسها. مما يؤشر إلى أن الحزب يفكر ويبحث عن صيغة تغطية سياسية جديدة للمرحلة المقبلة بعد تلاشي مرحلة وحقبة مار مخايل، وقد تكون عناصر الصيغة الجديدة مبنية ومرتكزة على إعادة تركيب جبهة من بقايا أحزاب، كانت فاعلة ومناضلة فيما مضى وكانت ولا تزال وفية وأمينة وكفية بتواضع لحزب المقاومة الأغر، والله ولي التوفيق والتدبير.          

شاركها.