
مصباح الساكت
في السياسة كما في المنطق، لا يمكن لأي وسيلة أن تتحول إلى تهديد للغرض الذي من أجله وُجدت، وإلا فقدت شرعيتها بالكامل، وفي لبنان اليوم، أصبح واضحًا أن بعض القوى التي تمتلك السلاح، بدل أن تستخدمه لحماية الوطن، تلوّح به وكأنه أداة ضغط على الدولة والمجتمع، مما يحوّل فكرة “السلاح للدفاع عن لبنان” إلى تناقض صارخ، فإذا كان الهدف حماية المواطنين والحفاظ على الاستقرار، فكيف يصبح الوطن نفسه مهددًا بسبب هذا السلاح؟
لسنوات طويلة، رُسّخت فكرة أن السلاح موجود ليكون خط دفاع أمام أي عدوان خارجي، وأنه عنصر ردع ضروري في مواجهة التهديدات الإسرائيلية. لكن الخطاب الأخير لأمين عام حزب الله يظهر أن السلاح لم يعد مجرد وسيلة دفاعية، بل أداة سياسية يمكن أن تُستعمل لفرض إرادة معينة على الدولة، وحتى تهديد الاستقرار الداخلي. هذه النقلة تضع الدولة ومؤسساتها الرسمية في موقف ضعف، لأنها تواجه قوة غير خاضعة للرقابة، تهدد الأمن والعيش المشترك باسم الدفاع عن لبنان نفسه.
الدولة، في جوهرها، هي الجهة الوحيدة المخوَّلة حماية المواطنين بلا استثناء، وقوتها تكمن في تنظيم السلاح تحت سلطة واحدة شرعية، تخضع للمساءلة والرقابة، فأي سلاح خارج هذا الإطار يصبح أداة فئوية، لا وطنية، ومهما كانت شعاراته، فإنه يضع حياة المواطنين على المحك عندما يُستخدم السلاح كتهديد للبنان نفسه، فهذا يعني أن الغاية لم تعد حماية الوطن، بل حماية مصالح فصيل بعينه، حتى لو كان الثمن انهيار الدولة واستقرارها.
في النهاية، ما يهدد لبنان ليس العدوان الخارجي فقط، بل الثقافة السياسية التي ترى في السلاح سلطة فوق الدولة والمجتمع، وهذا التناقض يجعل من الدفاع عن الوطن شعارًا فارغًا، لأن الوطن يصبح رهينة السلاح بدلاً من أن يكون السلاح في خدمة الوطن.
وحده التمسك بوحدة الدولة واحتكارها للسلاح يمكن أن يضمن حماية اللبنانيين واستمرار العيش المشترك، وإلا، فإن أي خطاب عن الدفاع عن لبنان يبقى مجرد كلمات بلا مضمون.
