شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 


طارق الحجيري

يرزح لبنان منذ عقود طويلة تحت كابوس السلاح خارج شرعية الدولة، لكن منذ العام 2005 بات السلاح الايراني يمسك بقرار لبنان، يفرض إيقاعه على السياسة والاقتصاد والأمن والإعلام والسياحة وكل نواحي الحياة اليومية، يقرر الحرب والسلم والإسناد وفق أجندة إقليمية لا تَمُّت بصلةٍ لمصلحة اللبنانيين.

بعد سنوات من الصمت والتسويات المذلّة، جاءت لحظة الحقيقة أمام الحكومة اللبنانية، فأهم قاعدة لبناء الدولة تقول ” لا دولة بوجود حزبٍ مُسلَّح خارجها، ولا سيادة مع وجود جيش رديف يأتمر بأوامر الولي الفقيه في قُم”. لذلك كان لا بد من قرارٍ وطني للمجابهة وفرض الحق مهما كانت الصعوبات.

القرار التاريخي لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد أن بلغ لبنان أسفل قاع الانهيار الاقتصادي الاجتماعي، وبعد أن تحوّل سلاح الحزب من شعار “المقاومة” إلى أداة قمع داخلي، ووسيلة لاغتيال المعارضين، وخطف إرادة الشعب تحت تهديد القوة والسلاح.
من المقاومة إلى السيطرة

يعرف الجميع أنَّ ولادة الحزب في ثمانينيات القرن الماضي جاءت بحجة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لكن الاحتلال انسحب منذ ربع قرن، وبقي السلاح لاحتلال الداخل وارهابه. بعدها تخطّت حروب الحزب حدود لبنان، وجرّت عليه الويلات والبلاء. ويعرف الجميع أنَّ السبب الفعلي لوجود الحزب هو كي يكون رأس حربة لمشروع طهران في المنطقة، على حساب وحدة لبنان ومصالحه.

كل اغتيال سياسي كل تعطيل لمؤسسات الدولة، كل تهديد بالسلاح في الشارع، كان رسالة واضحة مفادها ” من يعارض الحزب يدفع الثمن”.

طريق الانتحار
جاءت مشاركة الحزب في حرب إسناد غزة ككل حروبه السابقة، تحدٍ وتخطٍ واضح لقرار الدولة اللبنانية، لكنها كانت وبالًا عليه هذه المرة، فخسر رموزه التاريخيين سياسيًا وعسكريا، في مقدمتهم أمينه العام ورمزه حسن نصرالله.
وما زاد الضغوط عليه تراجع التمويل الإيراني بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتجديد العقوبات على طهران، ثمَّ الحرب الاسرائيلية الايرانية وما خلّفته من أضرار اقتصادية داخل ايران. ناهيك عن ارتفاع الضغط العربي والدولي، كل ذلك جعل لحظة المواجهة ممكنة. خاصةً أنَّ الدول الصديقة للبنان كشفت بلا مواربة: لا دولار واحد لدعم بلد مرتهن لسلاح الميليشيا.
بين الانهيار الشامل أو استعادة السيادة، كان لا بد للحكومة من اتخاذ القرار الصعب، لكن الأهم أنه ضروري.

المواجهة مفتوحة
يعي اللبنانيون أنَّ المعركة لن تكون سهلة، لكن الحزب الذي اجتاح بيروت في 7 أيار 2008، ليس يعد بمقدوره تكرارها حاليًا، ورغم ذلك لن يسلّم سلاحه بلا محاولة تخريب الوضع الداخلي عبر تهديد السلم الأهلي والأمن.
هذه المرة لم يعد بمقدور الحزب “التشبيح” كما فعل سابقًا، فالموقف الحازم لرئيس الحكومة نواف سلام، وردّه المباشر “الشارع بالشارع”، أعاد الثقة للبنانيين بأن الدولة هذه المرة لا تنوي التراجع والتنازل. من هنا تأتي أهمية دعم الحكومة ومؤازرتها لتطبيق خطاب القسم وبيانها الوزاري.

لا دولة بلا عدالة

نزع السلاح خطوة أولى، لكنها لن تكتمل دون محاسبة على الجرائم السياسية التي غيّرت وجه لبنان، من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وصولًا إلى لقمان سليم، إلى جرائم القمع والترهيب، يجب أن تُفتح ملفاتها كلها بلا خوف ولا مساومة.
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما دولة واحدة بجيش واحد وقرار سيادي واحد، أو دويلة تحكمها الميليشيا وتجره إلى عزلة تامة وانهيارٍ كامل. هذه ليست معركة سياسية فحسب، إنها معركة كرامة ووجود، معركة الفرصة الأخيرة لقيام الدولة، ومن يساوم عليها يضع توقيعه على شهادة وفاة لبنان الذي نعرفه.

شاركها.