
هبة الله سكرية
ماستر في الدراسات الاستراتيجية العليا
إقرار رئيس الحكومة نواف سلام ورقة برّاك، بما تتضمّنه من بند حاسم حول حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، يُعدّ لحظة سياسية مفصلية، لا بسبب مضمونه فقط، بل بسبب ما كشفه من ردود فعل متناقضة، خاصة من داخل بيئة حزب الله، التي أظهرت رفضًا جماعيًا لهذا المسار تحت عناوين تتراوح بين المؤامرة والاستهداف والاستلاب للقرار الأمريكي. لكنّ قراءة هذا الرفض على أنه دفاع عن خيار المقاومة فحسب، تُبسط الإشكالية. الواقع أن هذا السلوك يُعبّر عن ذهنية سياسية متجذرة ترفض الانتقال من منطق الامتياز الفئوي إلى منطق المساواة المؤسسية، وتُسقط الحق بالتسلّح خارج القانون ضمن إطار ما تسميه خصوصية المقاومة.
منذ عام 2000، تاريخ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، لم يعد مفهوم المقاومة كما طُرح في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي قابلًا للاستمرار بذات الأدوات والمنطلقات. لكن بيئة الحزب السياسية والاجتماعية أعادت إنتاج هذا المفهوم كحق حصري طائفي، لا كوظيفة وطنية جامعة، وبالتالي أصبحت المقاومة أداة سلطة بحد ذاتها، تتجاوز وظيفتها الدفاعية، نحو تنظيم شبكي أمني/اجتماعي/اقتصادي موازي للدولة. رفض ورقة برّاك، والتمسّك بالسلاح خارج منظومة الدولة، يُترجم اليوم ليس كخشية على الأرض، بل كمقاومة لفقدان الامتياز، لا لفقدان الأمن.
رد فعل الحزب وأنصاره يُعيد استحضار منظومة خطابية قائمة على المظلومية الدائمة (نُستهدف لأننا مقاومة، الدولة لا تحمينا،الجيش غير موثوق وإلى ما هنالك من سرديات). لكن المشكلة ليست في المخاوف، بل في استعمالها كذريعة لتكريس الاستثناء، وتبرير وجود كيان أمني/عسكري/طائفي داخل الدولة، يعلو عليها ولا يخضع لأي رقابة.
بهذا المعنى، تتحوّل المظلومية من حافز للتغيير والاندماج في الدولة، إلى أداة لاستدامة الهيمنة داخلها.
من الناحية النظرية، يبرز هنا التناقض بين مشروع الدولة الحديثة، القائم على عقد اجتماعي، ومواطنة قانونية متساوية، ومؤسسات شرعية؛ وبين مشروع الجماعة المسلحة، الذي يقوم على روابط ما قبل الدولة، وهوية عضوية تُقدّم الولاء للطائفة على الولاء للمؤسسة. بالتالي، رفض البيئة الحزبية لمبدأ حصر السلاح لا يُفهم بوصفه موقفًا أمنيًا فحسب، بل كاعتراض فلسفي على مفهوم الدولة ذاتها، لأنها تُجرّدهم من أدوات النفوذ غير المؤسسي، وتضعهم على قدم المساواة مع بقية اللبنانيين.
رد الفعل الغاضب لا يُبرر دفاعًا عن الأرض، بل يُجسّد خوفًا من خسارة سلطة مترسّخة، اعتادت العمل خارج المحاسبة، وتخطّي النصوص الدستورية باسم الاستثناء السياسي المقدّس.
إن نقل السلاح من يد الجماعة إلى يد الدولة هو اختبار مزدوج؛ اختبار لمصداقية الحكومة في تنفيذ سياسات سيادية، واختبار لمدى قابلية المجتمع اللبناني للتخلّي عن البنى ما قبل الدولة، والدخول في حقبة جديدة، عنوانها الوحيد المساواة تحت سقف الدولة، لا الهيمنة باسمها.
