
خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
في لحظة حسّاسة من تاريخ لبنان وبين اشتداد الضغوط الدولية وتآكل الإجماع الداخلي وجد حزب الله نفسه أمام معادلة جديدة قرار حكومي رسمي يدعو إلى سحب السلاح من كل الأطراف غير الرسمية بحلول نهاية عام 2025 وتكليف الجيش اللبناني وضع خطة تنفيذية لذلك القرار وموجّه عملياً إلى الحزب وسلاحه باعتباره القوة العسكرية الوحيدة خارج منظومة الدولة .
لكن اللافت لم يكن فقط فحوى القرار بل الارتباك الظاهر في تعاطي حزب الله معه والموقف الملتبس لحليفه التاريخي رئيس مجلس النواب نبيه بري.
انسحاب وزراء الحزب وحركة أمل من الجلسة الحكومية قبل التصويت يُظهر رفضاً صريحاً لكنه لا يحمل استراتيجية بديلة واضحة فبين رفض القرار والمطالبة بـشروط مسبقة للحوار بدا حزب الله وكأنه في موقع دفاعي أكثر منه فاعلًا استباقياً.
وموقف حزب الله بين النفي والغضب والرد على القرار بلغة شديدة اللهجة في بيان رسمي ووصف الخطوة بأنها إثم عظيم واعتبر أن الحكومة تسير في ركب الضغوط الأميركية الإسرائيلية متهماً إياها بتجاوز الميثاق الوطني وخطوط التوازن السياسي في البلاد
هذا النوع من المواقف يعكس ما يسمى “أزمة السردية” داخل الحزب إذ بات من الصعب تبرير وجود السلاح بعد التغيّر في البيئة الإقليمية وتحوّل معادلة المقاومة إلى عبء على الدولة لا مظلّة لها.
أما شريكه الحذر الرئيس بري اختار مساراً أكثر مهادنة وصرّح علناً بأن الوقت ليس مناسباً لطرح مسألة السلاح رابطاً أي تسوية بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية وتنفيذ قرار 1701 بحذافيره.
بري الذي لطالما لعب دور صمام الأمان الشيعي في النظام اللبناني واتبع اسلوب الاحتواء السياسي لكل طرف على حدة والمحافظة على التحالف مع حزب الله دون قطع الجسور مع القوى السيادية أو الدولية بدا هذه المرة وكأنه يُمسك العصا من النصف لا يواجه حزب الله لكنه أيضاً لا يعارض القرار الحكومي مباشرة ويُفسّر هذا الموقف على أنه محاولة لتأجيل المواجهة الداخلية ريثما تتضح معالم التسوية الإقليمية.
يعكس هذا المشهد تخبّطاً استراتيجياً داخل منظومة الثنائي الشيعي
حزب الله يواجه تناقضاً بين بقائه كقوة مقاومة خارجة عن الدولة وبين ضرورة التكيُّف مع ضغوط الدولة والمؤسسات الدولية
ونبيه بري يُراهن على الوقت والتفاوض لكن مواقفه لم تعد كافية لطمأنة المجتمع الدولي أو لردم الفجوة السياسية الداخلية
وهذا التناقض بات يؤثِّر مباشرة على شرعية التحالف الشيعي ككل.
هل نحن أمام مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي ؟
إذا ما استمرت الحكومة اللبنانية في دفع هذا القرار نحو التنفيذ فإننا سنكون أمام مرحلة غير مسبوقة.
صدام حاد بين السلطة التنفيذية المدعومة دولياً وبين قوة أمر واقع مسلحة تُصر على بقاء دورها خارج مؤسسات الدولة وننتقل إلى سيناريو شارع مقابل شارع.
