خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
في لحظة إقليمية مشتعلة وعلى وقع المبادرات الدبلوماسية المجهضة يتجه لبنان نحو واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخه الحديث حيث لا تلوح في الأفق حرب شاملة ولا يظهر أن هناك تسوية سياسية قريبة فرفض حزب الله المبادرة اللبنانية لسحب سلاحه والتعامل معها كأمر مرفوض مبدئيًا فتح الباب أمام مسار تصعيدي جديد لكنه تصعيد بلا جبهات مفتوحة بل بأسلوب الحرب الرمادية غارات مركزة واغتيالات وضغوط اقتصادية خانقة وتهديد بالعزل المالي الكامل .
المبادرة اللبنانية مدعومة جزئيًا من أطراف عربية وغربية تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية وسلاح حزب الله عبر مراحل سياسية وأمنية متدرجة لكن الرفض القاطع الذي جوبهت به هذه المبادرة من قبل الحزب وحلفائه يعتُبر إسقاطًا لخيار التسوية وعودة إلى منطق فرض الأمر الواقع بقوة السلاح .
من جهتها إسرائيل تُعدّ العدّة لمرحلة جديدة من الاستنزاف المنظّم هي لا تبحث عن حرب مدمرة لكنها أيضًا لا تقبل بجمود أمني لصالح حزب الله لذلك ستتجه نحو تكثيف الضربات الجوية على أهداف تعتبرها استراتيجية
وعمليات اغتيال نوعية في الداخل اللبناني أو خارجه
والضغط على قوات اليونيفيل لتوسيع مهامها أو تعديل قواعد الاشتباك
والتنسيق مع واشنطن لعزل لبنان ماليًا واقتصاديًا عبر المؤسسات الدولية
في الواقع الجديد لا حاجة للمدافع والدبابات إسرائيل بدعم أميركي تعتمد استراتيجية الضغط المتواصل بلا اشتباك مباشر من خلال ضربات مركّزة تُبقي حزب الله في حال استنزاف دون أن تنفجر الحرب الكبرى
إنه عقاب غير معلن فهو يطال جميع اللبنانيين ويُترجم بفقدان الثقة الكاملة بالبلد وانهيار مقومات العيش تدريجيًا
ويدخل لبنان مرحلة جديدة تُشبه الفوضى الناعمة
لا حرب تدمّر ولا تسوية تُبني بل ساحة مفتوحة للضربات الأمنية المحسوبة
وسط كل ذلك تقف الدولة اللبنانية عاجزة ومشلولة فيما المواطن اللبناني يتحمل كلفة خيارات لم يكن شريكًا فيها
وما ينتظره ليس حربًا بالمعنى الكلاسيكي بل موت بطيء متعدد الأوجه فالمعادلة الجديدة باتت واضحة إما أن تُسلّم الدولة أمرها بالكامل للسلاح أو تُعاقَب بكل الوسائل حتى الانفجار وبين هذا وذاك يُدفع الشعب وحده الثمن .
إن الاستمرار في الإنكار والمكابرة لن يُفضي إلا إلى مزيد من الانهيار ووضع السلاح تحت إمرة الدولة ليس خيانة للمقاومة بل خطوة ضرورية لحماية لبنان من العزلة والانفجار فالإصرار على احتفاظ أي جهة بالسلاح خارج الشرعية في ظل المتغيرات الدولية لم يعد يُفهم إلا كمصدر تهديد للاستقرار الوطني وليس ضمانة له المطلوب اليوم ليس تفكيك القوة بل تنظيمها ضمن إطار الدولة وتحديد دورها بوضوح عبر حلول واقعية تحفظ كرامة الجميع وإلا فإن لبنان سيبقى عالقًا في الفوضى الناعمة بلا مستقبل ولا دولة .
