
نبيل شحادة
رغم مرور أكثر من اربعين سنة، يبقى يوم الرابع من آب 1982 محفورًا في ذاكرة العاصمة بيروت وأهلها. يومٌ قاومت فيه بيروت العظيمة بجراحها وارادتها وعنفوانها، محاولة اقتحام للجيش الاسرائيلي، وسجّل “المرابطون” وكل من قاتل معهم، صفحة جديدة ومشرقة في تاريخ المدينة وصمودها وعزّتها.
لم يكن صباح الرابع من آب 1982 يومًا عاديًا في بيروت بل كانت تعيش أهوال الاجتياح الاسرائيلي والحصار الذي امتد لأكثر من خمسين يومًا. حصارٌ يترافق مع غارات جوية وقصف مدفعي من البحر والجو والجبال، وحرمان من الماء والكهرباء والغذاء والدواء والوقود. حصارٌ كان يهدف لكسر الإرادة السياسية والمعنوية لبيروت التي رفضت الخضوع والاستسلام رغم كل أساليب الضغط الإسرائيلي المدعوم دوليًا.
بدأت الدبابات الإسرائيلية بالتحرك ” عبر جدار فتحته في الحائط الشرقي لميدان سباق الخيل” بقرار من وزير الدفاع آنذاك أرييل شارون، وبغطاء من القصف المدفعي ومن الطائرات. شارون اراد قلب الطاولة، وفرض واقع على الأرض، يستطيع من خلاله بناء ضغط كبير على منظمة التحرير الفلسطينية فيسحقها، أو يجبرها على الخروج من لبنان بشروطه المذلّة.
كان الإسرائيليون يظنون أن بيروت قد أُنهكت وتعبت، ورفع الأعلام البيضاء أصبح مسألة وقت. ولكن المدينة كانت جاهزة. أبناء المدينة وحلفاؤهم كانوا على أهبة الاستعداد في كل شارع وزقاق، وعند كل زاوية ومدخل بناية للمواجهة حتى النهاية، بما توفّر لديهم من عتاد وذخيرة، وايمان وعزيمة.
لم تتوقّع إسرائيل عنف وشراسة المقاومة التي جابهت قواتها منذ اللحظة الأولى للهجوم. لم تكن المعركة عادية ولا تقليدية، بل حرب شوارع حقيقية شارك فيها مقاتلو “المرابطون” جنباً الى جنب مع المقاتلين الفلسطينيين، وكتفًا إلى كتف، رغم الحصار الطويل وكميات الذخيرة المحدودة.
لم يكونوا “المرابطون” جيشًا نظاميًا، ولا حتى ميليشيا منظّمة بمعنى الكلمة، بل كانوا شبانًا لبنانيين من مختلف أحياء بيروت، مؤمنين بالمدينة وكرامتها وعروبتها ومجدها. قاتلوا ببسالة بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة، ونظموا كمائن مباشرة على الآليات الإسرائيلية، فأعطبوا عدداً من الدبابات وإجبروا – بفضل الله- القوات الاسرائيلية على التراجع.
لم يكن ما حصل في الرابع من آب من سنة 1982، انجازاً عسكريًا فحسب، بل صفعة قوية لأرييل شارون الذي ظنّ انه في نزهة الى داخل بيروت، فباء بالفشل، وانهزم هزيمة نكراء.
