
المحامية مايا صافي
في كل مرة تطرح فيها التشكيلات القضائية في لبنان، يعاد ويتكرر الخطاب نفسه ” تمت التشكيلات من دون تدخلات وبمعايير موضوعية “ لكن هذا الخطاب بالرغم من نبرته الحازمة والجازمة لم يعد مقنعاً لأحد لان الواقع قد أثبت مراراً ان هذه التشكيلات غالباً ما تكون محكومة باعتبارات بعيدة كل البعد عن الكفاءة أو النزاهة أو المصلحة العامة.
فالمعايير التي يفترض أن تحكم هذه العملية كالكفاءة، النزاهة، الاختصاص، والحاجة الإدارية، تبقى دون وزن فعلي واضح ولا تقاس بمؤشرات شفافة أو معايير ملزمة بل تخضع لمنطق الملاءمة الذي يستخدم لتبرير الاستثناءات والترضيات.
وهنا يطرح السؤال الجوهري من يزن هذه المعايير؟ وما هو المقياس الحقيقي الذي يعتمد لتقديم قاض على آخر؟ هل نعرف كم قضية انجزها هذا القاضي؟ كم ظلماً رفع على يده؟ كم حكماً إنسانيا صدر في قاعاته؟ … الواقع انه لا وجود لنظام نقاط، ولا لتصنيف معلن، ولا لمرجعية مستقلة تراقب أو تراجع بل ان مجلس القضاء الأعلى رغم صلاحياته يبقى في كثير من الأحيان عرضة للتأثيرات السياسية أو الطائفية أو رهينة توازنات يراد لها ان تحترم قبل احترام الكفاءة نفسها.
وهذا الأمر يعيدنا الى مفهوم استقلالية القضاء الذي يفترض أن يكون محاطا بسياج من الحماية القانونية والمؤسساتية تضمن له العمل بحرية تامة بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
إن مبدأ استقلالية القضاء ليس مجرد شعار بل هو العمود الفقري الذي يمكن من خلاله تحقيق العدالة المجتمعية الحقيقية، والضمانة لتكون التشكيلات القضائية نتيجة حتمية طبيعية لاعتبارات مهنية بحتة، فكم من سجين مظلوم ينتظر قاضياً لا يخاف؟ وكم من متقاض بحاجة الى عدالة لا تقاس بحسب انتمائه؟
وبغياب هذه الاستقلالية تبقي التشكيلات القضائية مجرد أدوات تستخدم لتوزيع النفوذ وتقاسم المكاسب!!!
فالحل لا يكون عبر إعادة الخطاب نفسه … بل بوضع نظام صريح وواضح يلزم الجميع ويضمن التقييم العادل لكل قاض وفق معايير شفافة تعلن للرأي العام، مع ضرورة تحصين مجلس القضاء الأعلى من أي تدخل أو ضغط وإتاحة الحق بالطعن والتظلم أمام أي قاض يعتبر انه تعرض للغبن أو التسييس.
فالعدالة في هذا البلد لن تسطع الا عندما تنكسر المعادلات المزمنة المهترئة والتي تخفي وراءها كل ما يفرغها من معناها، ونعيد للقضاء استقلاليته الحقيقية كقوة ضامنة للحقوق وحامية للدستور.
