شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

د.خالد العزّي

 

في ظل التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة والصين، تتواصل المنافسة الاقتصادية الشديدة بين أكبر اقتصادين في العالم. في هذه المعركة التجارية، كان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، يفرض سياسة التعريفات الجمركية على الصين كأداة رئيسية للضغط على بكين. كان ترامب يسعى إلى تحقيق “العدالة العالية” في التجارة الدولية، حيث دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم تجاه الصين وحلفائها.

على الرغم من الضغوط التي مارستها واشنطن، الصين لم تتخلَّ عن النفط الروسي، بل استمرت في التعامل مع موسكو بحذر ووفقًا لمصالحها الوطنية. الصين كانت تسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز قدرتها على تنويع مصادر الطاقة، وهو ما يجعلها أقل اعتمادًا على واردات الطاقة من روسيا. هذا التصعيد في الحرب التجارية دفع الولايات المتحدة إلى تشديد إجراءاتها ضد الصين، من خلال فرض عقوبات اقتصادية وقيود على التكنولوجيا المتقدمة التي تشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.

فيما يتعلق بالعلاقات مع الشركاء التجاريين الآخرين مثل كندا والمكسيك، كانت الولايات المتحدة تسعى لتعزيز هذه العلاقات من خلال اتفاقيات جديدة، لا سيما في إطار اتفاقيات مثل USMCA (اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، وذلك لتقليل التأثير الصيني على الأسواق العالمية. هذه الاتفاقات تأتي في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تقليل اعتمادها على الصين، خاصة في قطاع الطاقة والسلع الاستراتيجية.

أما فيما يخص التكنولوجيا، فقد استخدمت الولايات المتحدة أدوات الضغط بشكل كبير على الشركات الصينية الكبرى مثل هواوي وزد تي إي، من خلال منعها من الوصول إلى بعض التقنيات الأمريكية المتقدمة مثل الشرائح الإلكترونية وشبكات الجيل الخامس. هذا لم يكن فقط بهدف حماية الاقتصاد الأمريكي، بل أيضًا للحد من تقدم الصين في المجال التكنولوجي، الذي يعتبر حيويًا للأمن القومي.
كما استخدمت الولايات المتحدة سياسة العقوبات الاقتصادية في مناطق أخرى، لا سيما في شينجيانغ، حيث اتهمت واشنطن الصين بانتهاك حقوق الإنسان ضد الأقلية الأويغورية. هذه العقوبات كانت جزءًا من استراتيجية أوسع لزيادة الضغط على الصين في محافل حقوق الإنسان الدولية، مما جعل العلاقات الثنائية أكثر تعقيدًا.
على الرغم من الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها الصين من قبل واشنطن، لم تراجع بكين عن سياسة التوسع في بحر الصين الجنوبي أو دعم مشاريع الحزام والطريق. بدلاً من ذلك، استمرت الصين في تعزيز تحالفاتها الاقتصادية مع دول مثل روسيا و الهند و دول جنوب شرق آسيا. كما عملت على تعزيز القدرة التكنولوجية المحلية، من خلال برامج وطنية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الغرب في القطاعات الاستراتيجية.

في هذا السياق، كان ترامب يؤكد أن لا تراجع عن سياسات التعريفة الجمركية، مشيرًا إلى أن هدفه هو “تحقيق العدالة الاقتصادية” للعمال الأمريكيين والشركات الوطنية. وهو بذلك كان يسعى إلى الحد من التبادل التجاري مع الصين، الذي اعتبره غير عادل، خاصة في قطاعات مثل الطاقة والتكنولوجيا. من خلال هذه السياسات، كان يسعى إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي لصالح الولايات المتحدة.

رغم هذه التوترات الكبيرة في العلاقات الثنائية، كانت الصين تتبنى سياسة حذرة ومدروسة. فهي كانت تحاول الموازنة بين الضغوط الأمريكية، مع الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية في الوقت نفسه. الصين لم تتراجع عن سياسة التنوع في مصادر الطاقة، حيث سعت إلى تقليل الاعتماد على واردات الطاقة من روسيا، مع تسريع خطط التنويع في أسواق الطاقة الدولية. كما استمرت في توسيع نطاق تجارتها مع حلفائها الجدد في أفريقيا و أمريكا اللاتينية، وكذلك في دول جنوب شرق آسيا، التي تحولت إلى محاور رئيسية للصين في إطار مبادرة الحزام والطريق.

في النهاية تواصل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين التوترات في ظل تصعيد مستمر في مجالات التعريفات الجمركية، العقوبات الاقتصادية، و الضغط التكنولوجي. الولايات المتحدة تحاول كبح الطموحات الصينية في التجارة والتكنولوجيا، بينما الصين تسعى للحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتنويع تحالفاتها بعيدًا عن الغرب. في الوقت الذي تعكف فيه واشنطن على تقليص نفوذ الصين في السوق العالمية، فإن بكين تواصل استراتيجية الصمود، مما يجعل العلاقة بين البلدين في مرحلة من التحول الحذر والتنافس المستمر على النفوذ العالمي.

شاركها.