شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

ابراهيم محمد عكاري

 

تشهد المنطقة العربية تحولات حادة ومعقدة، يتداخل فيها السياسي بالإعلامي، والإنساني بالمصلحي، والظاهر بالمخفي. وفي خضمّ هذه التقلبات، يُواجه المواطن العربي تحديًا وجوديًا: كيف يحدد موقعه من هذه الصراعات؟ كيف يميز بين الدعم الصادق والخداع السياسي؟ وبين الصديق الحقيقي والعدو المتخفي في ثياب المنقذ؟
ليست هذه أسئلة نظرية، بل حاسمة في تكوين الوعي، وتحديد اتجاه الموقف، وبناء الرأي العام القادر على مقاومة التضليل والاصطفاف الآني. لقد أثبتت التجارب أن الوقوف في المكان الخطأ – ولو بحسن نية – قد يكون مدمّرًا على المدى البعيد، سواء لفرد أو جماعة أو لشعب بأكمله.
وهم الخطاب الإيجابي… حين يتحول إلى أداة توظيف
كثير من الأنظمة، في محيطنا العربي، باتت تُجيد إنتاج خطاب سياسي وإعلامي يُظهرها بمظهر الشريك في قضايا الأمة، أو الحريص على الاستقرار، أو الداعم للحقوق. غير أن التجربة تُثبت أن بعض هذه الخطابات ليست سوى واجهات تجميل لمشاريع سياسية لا تخدم إلا من يقف خلف الكواليس.
تُبث بيانات التضامن، وتُنشر صور المساعدات، وتُكرَّر عبارات “الوقوف إلى جانب الشعب الشقيق”… لكنها تُقابل بتصرفات ميدانية معاكسة تمامًا: تنسيق أمني مع المحتل، أو تمويل فصائل لخلق الانقسامات، أو تلميع طغاة بعد أن لفظتهم الشعوب.
في هذا المشهد، يتحول ما يبدو دعمًا إلى شكل من أشكال الاستثمار السياسي، حيث تُستعمل معاناة الشعوب كورقة تفاوض، وتُدار قضايا الأمة وفق أجندات تخدم “أمن النظام”، لا أمن الإنسان.
ازدواجية المواقف… من إدارة التناقض إلى صناعة الالتباس
ما يُفاقم الالتباس أن هذه الأنظمة تُجيد التلون. فبينما تُظهر موقفًا إيجابيًا في ملفٍ معين، تجدها في الملف ذاته تمارس دورًا سلبيًا أو عدائيًا من زاوية أخرى. تدعو للسلام، وتُشعل الفتنة. تحذر من التدخل الخارجي، ثم تُدخل القوى الأجنبية عبر الأبواب الخلفية.
لقد أصبحت هذه الازدواجية سمة ثابتة، تُربك الوعي العام، وتدفع بعض الأفراد إلى تبرير المواقف بناءً على لقطة إعلامية واحدة أو تصريح مُنمّق، دون الانتباه إلى السلوك السياسي الكامل، والسياق العام، والتاريخ الطويل لهذه الأنظمة في تقويض إرادة الشعوب ومصادرة قرارها.
المقاومة المزعومة… عندما تتحول القضية إلى مشروع نفوذ
في المقابل، هناك من تصدّر المشهد بشعار “المقاومة”، ورفع راية التحرير، ليُقدم نفسه مناصرا ومنقذا. لكن التجربة كشفت أن بعض هذه القوى لم تكن سوى امتداد لمشاريع توسع إقليمي، استثمرت في القضية ولم تُخلص لها، ورفعت شعارات المقاومة وهي تُمارس الاستبداد والقمع باسم العقيدة أو المذهب أو الثورة.
لقد انكشفت نوايا هؤلاء حين وُجِّه السلاح إلى صدور العرب وأثخن فيهم، دون أن يُستخدم بأسلوب يُقهر العدو ويُضعفه فعليًا. وتبيّن أن كثيرًا من الشعارات لم تكن إلا غلافًا لمصالح سياسية ضيقة تُدار من خارج الحدود.
التموضع بين المبادئ والمصالح… كيف نقرأ الحدث بوعي؟
في هذا السياق المعقد، لا يمكن اتخاذ موقف أخلاقي أو سياسي بناءً على العاطفة أو الانطباع اللحظي. بل يجب بناء التموضع على منهجية وعي، تشمل قراءة عميقة للسياسات، وتحليلًا للمصالح، وتتبعًا للمواقف عبر الزمن، لا في لحظة إعلامية عابرة.
لكي يكون الموقف سليمًا ومتماسكًا، لا بد أن يُبنى على أسئلة جوهرية:
• هل هذه الدولة أو الجهة تحترم إرادة الشعوب، أم تستخدمها وقودًا لمشروعها؟
• هل مواقفها ثابتة تجاه قضايا الأمة، أم تتقلب بحسب المصالح الظرفية؟
• هل دعمها مشروط بالولاء السياسي، أم نابع من التزام أخلاقي حقيقي؟
• هل لها سجلٌّ نظيف في دعم القضايا العادلة، أم تاريخٌ مليء بالتخلي والتواطؤ؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا، بل أدوات لحماية الوعي. فكم من موقف مؤيد اليوم أصبح مصدر ندم بعد حين، حين سقط القناع عن وجه “الداعم المزعوم”، وكم من تحذير تجاهله الناس في البداية، ثم تبين لاحقًا أنه كان عين الصواب.
وعيُ الشعوب هو خط الدفاع الأخير
في زمن تداخل فيه الخنجر مع الوردة، والمكر مع الكلمة الطيبة، لم يعد يكفي أن نقف حيث يبدو النور، بل يجب أن نسأل: من يضيء؟ ولماذا؟ ولمن؟
إن الشعوب الحرة لا تقف خلف كل من يرفع الشعار، بل خلف من يلتزم بالمبدأ. لا تنخدع بالبيان العاطفي، بل تقرأ خلف السطور، وتتتبع المسار، وتربط اللحظة بالسياق العام.
التموضع الحقيقي في هذه المرحلة ليس الانحياز لأي كيان أو نظام، بل الانحياز الدائم للحق، والوعي، وكرامة الإنسان، والسيادة الوطنية، والحرية الأصيلة.

شاركها.