د.سمير حسن عاكوم
مرة جديدة يستفيد رموز نظام الإمتيازات القديم الجديد من نبرة التحريض الطائفي في سوريا… لينعكس احتقاناً على الساحة اللبنانية كأنه قدرٌ لا مفر منه. تتكلم وزيرة سابقة دون خجل عن تهديد وجود جماعتها «الكلاس» من ارتفاع نسبة ولادات المناطق الأكثر حرماناً وفقراً في عكار، يطلّ رئيس تيار ويتكلم عن الضمانات المطلوب تحقيقها لتهديد وجوده بعد أن كان يعطّل مراسيم الفائزين في الخدمة المدنيّة ويصرّ على التوازن الطائفي في حراس الأحراش، يستتبعها دكتور من حاملي لواء الفيدراليّة الطائفيّة يتكلم عن وحوش العشائر العربيّة في السويداء ويربطها بسردية التخويف الممتدة من مرحلة ما قبل الحرب اللبنانية عن سلوك الفتح الإسلامي وملائكيّة الحرب اللبنانيّة، وتقوم نائب بالتحدث عن 1400 سنة مقاومة، وتنتشر أخبار الدعشنة كالنار في الهشيم بين ناطقين باسم الأقليات و… وتُستحضر الخطابات الجاهزة «نحن مستهدفون» «يريدون إلغائنا»، «لا نثق بغيرنا»… والجميع يتكلم بلغة شعوب الله المختارة اللبنانيّة الملائكيّة المتناسيّة لمشاهد ظلاميّة الحرب الأهلية حيث أبدع كل هؤلاء في مجازر اختلط فيها دم مئات العمال الأبرياء في «السبت الأسود» 1975 بدم الأبرياء بعد اغتيال كمال جنبلاط، وبدماء الأطفال والنساء والشيوخ في صبرا وشاتيلا، وبفظائع حرب أمل وحزب الله وحرب المخيمات، وبتصفيات البيت الواحد في زغرتا وكسروان واهدن و… وصولاً لمستوى متقدم من تفاخر مقاتلي ميليشيات نفس الثقافة أمام جموع المدنيين بتلذذهم بأكل كبد شريكهم في الوطن مع كأس عرق بلدي، ومشاهد لا تُعدّ ولا تحصى من انتهاك كل المحرّمات…
بداية يهمّنا أن نُذَكّر أن ضم عكار والبقاع الى لبنان كان لأسباب اقتصاديّة بعد مجاعة الحرب الأولى وكان اقتصاد عكار الزراعي أهم مصدر لخزينة الدولة في مرحلة الإستقلال الأولى، ونَذكُر هنا قصة رواها الرئيس شهاب عن «وفد دير الأحمر» زاره وأثناء حديثه معهم كانوا يستعملون عبارة «عندكم في لبنان» في انعكاس طبيعي الى أن الأطراف كانت مهمّشة ولا يشعر مكوّناتها بمن فيهم الموارنة بانتمائهم اللبناني…
فواجب علينا الآن توضيح ماذا يوجد خلف مشهد المظلوميات المتكرَّر هذا، حيث تكمن مشكلة بنيوية أعمق من السياسة اليومية المعتادة فنحن أمام ثقافة نفسية سياسية كاملة تُنتج الصراع وتغذّيه باسم الحماية والحق والخوف والسبب الجوهري الحقيقي هو ما يمكن تسميته بـ«المظلومية السياسية السادية المصطنعة» للمحافظة على احتكار الإمتيازات، تماماً كما كان عليه الوضع في رواندا وجيبوتي وجنوب أفريقيا وباقي المستعمرات…
منذ أن صاغ الانتداب الفرنسي دستور عام 1926 وباركه الميثاق الوطني عام 1943، شُيّد الكيان اللبناني لا على قاعدة المواطنة في دولة المؤسسات بل على أساس توزيع الحصص بين الطوائف والزعامات. النتيجة أن كل طائفة أصبحت كياناً سياسياً قائماً بذاته لا شريكاً في وطن. تمثيلها و«حقها» في السلطة أهم من المصلحة الوطنية. ومن هنا بدأ التكوين النفسي الخطير، الطائفة كمحميّة خائفة ومتميّزة ومهدّدة لغيرها في آنٍ معاً.
فباسم المظلومية تُرفض العدالة. وتُتَجاوز بوقاحة أسس العدالة وميثاقيّة مقدمة الدستور، باسم الخوف يُعطَّل الإصلاح، باسم «نحن مهدّدون» يُستبق أي محاولة لبناء دولة المواطنة، وقد تحالف أصحاب هذه السرديّة لإسقاط المشروع الشهابي وأوصلوا بلدنا الى ما وصلنا إليه. لكنها ليست بمظلومية بريئة، إنها أداة كولوناليّة مدروسة لاستبقاء امتيازات تاريخية باسم الدفاع عن الذات!
ما يحصل في لبنان يشبه سلوك الطفل المدلّل الذي يرفض أن يُعامل كغيره من إخوته، فيثور ويبكي ويتّهم الجميع بأنهم يظلمونه ويكرهونه… بينما هو في الحقيقة لا يريد أن يتنازل عن امتيازاته ويجهل خطورة انعكاس امتيازاته الظالمة ضرراً ومن ثم كُرهاً متأصّلاً ضمن العائلة.
في كل استحقاق داخلي، قانون انتخاب عادل أو إصلاح إداري أو مساءلة عن فساد تُطلق أبواق خطابات الخوف الجاهزة، دائماً «يريدون إلغاء طائفتنا!» «هذه مؤامرة خارجية!» «لن نسلم رقابنا لأحد!» ويصبح الخوف من المجهول غطاءً لتأبيد انحراف الواقع الإنساني والإجتماعي كما السياسي. هكذا تُشلّ المؤسسات ويُدفن مبدأ «مواطن واحد وقانون واحد».
لم نتعلّم أن الاستقواء بالخارج كبديل عن الإصلاح يتسبب بكوارث الداخل، فكل طائفة تمتلك رقم طوارئ خارجي فهناك من يستدعي إيران، وهناك من يحتمي بفرنسا أو أميركا وصولاً الى إسرائيل… لكن الحقيقة الصادمة هي أن هذه «الاستغاثات» ليست سوى وسيلة للحفاظ على موقع داخلي مهترئ ومهتز.
لقد تعلّمت زعامات الطوائف أن تستخدم الخوف من الآخر لتأجيل أي إصلاح وإنهاء أي محاولة لبناء دولة حقيقية. فالتقسيم الحاصل لا يأتي من الآخر… بل من داخل الطائفة، إذ لم يكتفِ بعض اللبنانيين بقتل بعضهم البعض في الحرب الأهلية بل رأينا انقسامات دموية داخل الطائفة الواحدة، بين زعامات، أحزاب، عشائر، مرجعيات، ومصالح. واليوم ومع ارتفاع منسوب التحريض الطائفي في سوريا والمنطقة نشهد بوادر تكرار المشهد، لكن بخلفيات أكثر تدميراً لا عدو واضح بل احتقان يُغذّيه الداخل وينفجر بين المحرضين أنفسهم.
ما العمل؟ كيف نخرج من هذا الجحيم المتكرر؟
لا تكفي الدعوات الخطابية ولا خطب التهدئة، فالمطلوب تشخيص حقيقي وجريء تتضمن الاعتراف أن المظلومية المصطنعة لم تعد تحمي أحداً بل تُغرق الجميع، واجب على الجميع العمل على تفكيك خطاب الخوف الجماعي عبر التربية والإعلام والدين والإستفادة من تجارب الآخرين لإنتاج سرديات جديدة تقوم على الأمل والعدالة والمشاركة والتعاضد المجتمعي. وإعادة تعريف «الحماية»، فالحماية الحقيقية ليست من الطائفة الأخرى بل من الفساد من الفقر ومن غياب القانون. والعمل بجهد لبناء دولة تُعامل الفرد كمواطن لا كمندوب عن طائفة يهدد كيانيّة غيره.
كما أن الطفل الذي لم يتعلّم المساواة يتحوّل إلى شخص نرجسي يُدمّر نفسه والآخرين، كذلك الجماعات التي اعتادت الامتيازات لا يمكنها أن تؤسس وطناً. فالعدالة لا تُبنى على هستيريا جماعيّة بل على شفاء وطني طويل الأمد من خطابات الضحية الكاذبة. فإما أن نخرج من وهم المظلومية أو نعيد إنتاج الحروب بأشكال أكثر تدميراً فلا مستقبل لطفل مدلّل فاجر لا يتعلّم قيم العدالة ومبادئ التعاضد والتكافل والأخلاقيّة لحمايته ضمن عائلته.
