
طارق الحجيري
فيما يتقن السياسيون في لبنان لعبة التخندق والانقسام، وحده وليد جنبلاط يعرف كيف يرقص على حبال النار دون أن يحترق. هو ليس مجرد زعيمٍ درزي أو وريثٍ لواحدة من أعرق العائلات في تاريخ لبنان السياسي، بل ظاهرة سياسية نادرة، أتقن لعبة البقاء في قلب العاصفة، وتفنّن في عبور التحوّلات دون أن يخسر أوراقه.
ليس مجرَّد وريث
منذ أن ورث زعامة آل جنبلاط بعد اغتيال والده المعلم كمال جنبلاط، لم يتقمَّص وليد مسيرة والده الثورية والفكرية، بل صاغ مساره الخاص كـ”ماركة سياسية مسجّلة”. مسيرة مليئة بالمنعطفات، والانعطافات المفاجئة، لدرجة أذهلت الخصم وأربكت الحليف. من التحالف مع النظام السوري إبان وصايته على لبنان، إلى قيادة ثورة 14 آذار ضدّه بعد اغتيال رفيق الحريري، ومن الهجوم العلني على حزب الله وإيران، إلى صمت التأمل وفلسفة حافة النهر… بقي جنبلاط كما هو: ملك التناقضات من أجل البقاء.
يقظة الاطفائي
حين بدأت الثورة السورية، أدرك مبكرًا خطورة احتراب الأهل، وتصرف كإطفائي لا يريد أن يرى جبل لبنان يشتعل. زار دمشق مستبقًا النار، رغم رفضه لنظامها، فقط لئلا تصل نيران ليبيا إلى سوريا. رجل يحسب كلّ حركة، ولو بدا متردّدًا أو غامضًا أحيانًا، لكنه غالبًا يعرف متى يتقدّم ومتى يتراجع.
جنبلاط ليس زعيمًا طائفيًا فحسب، بل قارئ تاريخ، ومراقب دقيق لتحولات الإقليم. يملك علاقة معقّدة مع السلطة: هو داخلها وخارجها، يشارك في الحكم وينتقده، يهمس أحيانًا، ويصرخ أحيانًا أخرى. في تصريحاته سخرية لاذعة، وفي تغريداته إشارات ثقافية وفكرية لا يلتقطها إلا القلائل. ومع ذلك، لا أحد يستطيع إنكار أن حضوره ظلّ لعقود مفصليًا. لا يمكن تجاهل موقفه، ولا يمكن فهم المشهد اللبناني من دونه.
وائد الفتنة
مع انطلاق المعارك في محافظة السويداء، لم يقف بيك المختارة موقف المُتفرج، ولا صبَّ زيت الحقد فوق نار الفتن، كما فعل كثيرون، ولا انزلق إلى لعبة التكَّسُب السياسي الرخيص على مسافة أشهر من الانتخابات النيابية المقبلة. بل سارع جنبلاط إلى وأد الفتنة، وكتم الأحقاد.
رفع ثلاثية النجاة دون تردد أو مواربة، وحدة الدولة السورية سياسيًا وجغرافيًا، تأكيد هوية الدروز السورية العربية، العداء لاسرائيل، بذلك أغلق باب الفتنة بوجه صغار المفتنين، وأكّد أنّه لا يمّثل “بيضة قبَّان” في التفاصيل الطائفية المحلية، بل العمود الفقري لعروبة بني معروف.
الخروج المستحيل
قد يتّفق كثيرون أو يختلفون حوله، لكن الأكيد أن وليد جنبلاط حالة لا تتكرّر. ومع محاولات خروجه “التدريجي” من المشهد، يتغيّر شيء عميق في طبيعة السياسة اللبنانية، والعربية، في توازناتهما.
ما حصل مؤخرًا في سوريا ولبنان، يؤكد أنّ أوان الاستراحة لم يحن بعد، وأن خروج لاعب أساسي، بحجم وقيمة وليد جنبلاط، لا يمكن تعويضه بلاعبين عن دكّة الاحتياط، وبات اليقين مكرّسًا عند الجميع، لا يمكن تخيّل المشهد اللبناني دون وليد بك جنبلاط، سيكون المشهد بكل بساطة … ناقصًا.
