شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

البروفسور عبدالرحيم إبراهيم

 

في ظل ما تواجهه محافظة عكار من تحديات متراكمة، لا سيما في قطاع التعليم العالي، شكّل قرار إنشاء فروع للجامعة اللبنانية على أرض ببنين–العبدة في عام 2018 بارقة أمل حقيقية لأبناء المنطقة. فقد خُصصت لهذا المشروع مساحة تبلغ 60,000 متر مربع، تنازلت عنها وزارة الزراعة لصالح وزارة التربية، بعد مسار طويل من المتابعة الجدية والجهود الرسمية والشعبية. وقد اعتُبر هذا القرار خطوة استراتيجية نحو تحقيق إنماء تربوي متوازن وتثبيت الشباب في أرضهم.

لكن المفاجأة جاءت مؤخرًا بقرار نقل هذا المشروع إلى بلدة عدبل – أعالي حلبا، على مساحة لا تتجاوز 15,000 متر مربع، وهو قرار يُثير الكثير من علامات الاستفهام ويطرح إشكاليات جوهرية على مستويات متعددة: التخطيط، الإنماء، الديموغرافيا، الصحة العامة، والبيئة. ومن هنا، أقدّم هذا المقال مدعومًا بدراسة ميدانية موضوعية أعددتُها لتبيان أن أرض العبدة – ببنين هي الموقع الأنسب والأكثر جدوى من مختلف النواحي لإنشاء فرع جامعي متكامل يخدم عكار والشمال بأسره.

أولًا: خلل ديموغرافي واضح في اختيار موقع عدبل

عدبل تقع في منطقة الشفت على الحدود المتاخمة للجومة، وهي بحسب الأرقام أقل مناطق عكار كثافة من حيث الطلاب المنتسبين إلى الجامعة اللبنانية. في المقابل، تُعتبر العبدة–ببنين عقدة وصل طبيعية بين مختلف مناطق عكار، وتتميّز بسهولة الوصول إليها من القيطع، الدريب، السهل، الساحل، الشفت، وصولًا إلى وادي خالد والمناطق الحدودية. ومن الجدير بالذكر أن خطوط السير العام تتجه جميعها نحو العبدة، مما يجعلها وجهة يسهل الوصول إليها في أي وقت، في حين أن الطريق إلى عدبل خاص ويفتقر إلى شبكة مواصلات عامة، مما يثني الطلاب عن الصعود إلى أعالي حلبا. ونتيجة لذلك، قد يفضل ما يقارب نصف طلاب عكار التوجه إلى فروع طرابلس، حيث تتوفر وسائل نقل أكثر سلاسة ومرونة، بدلاً من العودة إلى عدبل- الشفت.

أما على مستوى التخصصات الجامعية المقترحة ضمن المشروع، فهي تشمل:

• فرع لكلية العلوم (باختصاصاتها كافة)
• فرع للمعهد الجامعي للتكنولوجيا
• فرع لكلية الزراعة
• فرع لكلية الصحة العامة
• فرع لكلية التربية
• كلية العلوم البحرية (والتي نُقلت لاحقًا، بشكل غير مبرر، إلى البترون)
ويُلاحظ أن بعض هذه الكليات، كالتربية والزراعة والتكنولوجيا والعلوم البحرية، غير متوفرة أساسًا في فروع طرابلس، ما كان سيمنح فروع عكار خصوصية أكاديمية وميزة تنافسية تستقطب طلابًا من عكار والشمال على حد سواء (طرابلس، المنية، الضنية…).

إن سوء اختيار الموقع يُهدّد بإفراغ المشروع من مضمونه، ويُعيق استفادة آلاف الطلاب منه، لا سيما مع غياب شبكة نقل عام وارتفاع كلفة المواصلات والسكن، في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

ثانيًا: المساحة المحدودة لا تفي بالحاجة الأكاديمية

المساحة المتوفرة في عدبل (15,000 م²) غير كافية لإنشاء حرم جامعي متكامل يضم سبع كليات، قاعات دراسية، مختبرات، ساحات، مواقف سيارات، ومرافق جامعية متطورة. هذا في حين أن أرض العبدة تتيح المجال لبناء منشآت تعليمية على المدى القريب والبعيد، وفق أعلى المعايير الجامعية.

ثالثًا: تداخل خطير مع مستشفى حكومي ومشروع مستشفى عسكري

الموقع الجديد يقع مباشرة بجوار مستشفى حلبا الحكومي، وعلى تماس مباشر مع مشروع مستشفى عسكري إقليمي ومركز تدريب عسكري في طور الإنشاء. هذا التداخل يطرح جملة من المخاطر:

• صحيًا: المستشفيات هي بيئات مُعرّضة لانتشار العدوى والأمراض المعدية، وتُنتج نفايات طبية خطرة يصعب احتواؤها بجوار مؤسسة تعليمية تضم مئات الطلاب.
• بيئيًا: الضجيج، التلوث الهوائي، حركة سيارات الإسعاف، والمحرقة الطبية… كلها عناصر تُلحق ضررًا بالبيئة الجامعية المفترضة.
• أمنيًا: وجود مؤسسة عسكرية قرب حرم جامعي قد يفرض قيودًا على النشاط الأكاديمي، ويُقيّد الحريات الطلابية، ويجعل المكان حساسًا لأي تجمّع أو تحرّك مدني.

رابعًا: ضرب لمبدأ الإنماء المتوازن

تجميع ثلاث مؤسسات خدمية كبرى (جامعة، مستشفى حكومي، مستشفى عسكري) في منطقة واحدة، مع حرمان سائر مناطق عكار من مشاريع إنمائية موازية، يُناقض بشكل فاضح مبدأ الإنماء المتوازن الذي ينص عليه الدستور اللبناني، ويُعيد إنتاج منطق التهميش بدل معالجته.

 

 

إن نقل مشروع فروع الجامعة اللبنانية من العبدة إلى عدبل قرار يفتقر إلى الرؤية والتخطيط السليم، ويُهدد بإجهاض مشروع استراتيجي تحتاجه عكار بشدة.

في المقابل، تُبيّن الدراسة الميدانية التي أعددتها أن العبدة – ببنين هي الخيار الطبيعي والأمثل، استنادًا إلى:

• الموقع الجغرافي والسهولة اللوجستية
• التوزيع العادل للطلاب
• توفر المساحة الكافية والتوسعية
• الانفصال والابتعاد عن المنشآت الصحية والعسكرية
• الملاءمة البيئية والأكاديمية والتنموية
لذا، أدعو إدارة الجامعة اللبنانية، ووزارتي التربية والدفاع، وكل حريص على العدالة الوطنية، إلى مراجعة هذا القرار والعودة إلى الخيار الطبيعي في ببنين–العبدة، صونًا لمستقبل التعليم العالي في عكار، وتحقيقًا للعدالة الجغرافية في توزيع المشاريع الإنمائية.

شاركها.