شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د.خالد العزي

 

تعد السويداء واحدة من أهم المناطق السورية التي تمتاز بتنوعها الثقافي والديني، وتحظى بمكانة خاصة لدى العديد من القوى السياسية والإقليمية، سواء في لبنان أو سوريا. في هذا السياق، برزت شخصية النائب وليد جنبلاط، الزعيم السياسي الدرزي البارز، الذي لعب دورًا حيويًا في محاولة تهدئة الأوضاع وتفادي الفتن والمخاطر المحدقة بالمجتمع الدرزي، خصوصًا في منطقة السويداء المشتعلة بنار الحقد والمذهبية. لقد كان أبو تيمور المنارة المشعة في زمن الظلمات الواضحة، في هذا الحريق الملتهب من أيام اللهب الشرقي.

 

التعامل بحكمة ومواجهة الفتن
ليست المرة الأولى التي يظهر فيها وليد جنبلاط كـ “رجل إطفاء” في الأزمات. فقد أظهر جنبلاط في فترات متلاحقة قدرة فائقة على تحليل الأحداث والابتعاد عن الاندفاع نحو المجهول. ففي وقت كانت فيه السويداء على شفير فتنة طائفية، كان هو الصوت العقلاني الذي يعمل على تهدئة الأمور، محذرًا من الانجرار وراء “الجهات المجهولة” و”أصحاب الغايات” الذين كانوا يسعون لتأجيج الأوضاع. كان حرصه الأول هو الحفاظ على التعايش المشترك بين أبناء السويداء ودرعا والمناطق المجاورة، مشددًا على ضرورة تجنب الانقسام الداخلي والعودة إلى الدولة.
الموقف العروبي والالتزام بالقضية الفلسطينية
جنبلاط ليس فقط زعيمًا درزيًا، بل هو أيضًا عروبي من الطراز الرفيع. فهو ابن كمال جنبلاط الذي قدم حياته في سبيل القضية الفلسطينية. في هذا الإطار، كان وليد جنبلاط دائمًا ما يؤكد على أهمية المحافظة على الهوية العربية في ظل هذه الظروف الدقيقة، وهو ما دفعه إلى التأكيد على أن “المكون الدرزي” في سوريا ولبنان والأردن هو جزء أصيل من النسيج الوطني والعربي.
كانت دعوته متجددة إلى التأكيد على الوحدة الوطنية بعيدًا عن “الأجندات الخارجية” التي قد تفرغ المجتمعات من قوتها وتؤدي إلى تقاسمها بين القوى الأجنبية. كان يعتبر أن السويداء لا يمكن أن تتحول إلى ساحة لخدمة مصالح غير وطنية، وبالتالي كان يدعو إلى التفاعل السياسي البناء على أساس المساواة والحقوق المشروعة.

رفض الانفصال والدعوة للحوار
إحدى النقاط التي ركز عليها جنبلاط كانت رفضه لمفهوم الانفصال. ففي حين كانت بعض الأصوات المتطرفة تنادي بتقسيم المناطق السورية على أساس طائفي أو عرقي، كان جنبلاط يرى أن مثل هذه الدعوات لا تؤدي إلا إلى مزيد من التفكك، وتفتح الباب لتدخلات خارجية قد تهدد وحدة البلاد. ولذلك، دعا بشكل مستمر إلى فتح الحوار بين الرئيس بشار الأسد والنخب الدرزية على قاعدة “المواطنة” والحقوق المشتركة.
كان يشدد على أن الحديث عن “الدروز” و”العلويين” و”السنة” يجب أن يختفي من التداول السياسي، مفضلًا التركيز على الهوية الوطنية السورية. من وجهة نظره، فإن جميع السوريين، مهما كانت انتماءاتهم الدينية أو الطائفية، يجب أن يتعاملوا كمواطنين يتشاركون في نفس الحقوق والواجبات.
الدور المحوري للسويداء في النضال الوطني
وليد جنبلاط لم يكن فقط يحاول الحفاظ على أمن السويداء، بل كان يشدد على أهمية استعادة السويداء لدورها القيادي والنضالي، خصوصًا في ظل الأوضاع المعقدة التي تمر بها البلاد. وكان يعيد دائمًا إلى الأذهان تاريخ السويداء في مقاومة الظلم والطغيان، مذكرًا الشعب بأنهم كانوا دومًا في مقدمة الصفوف في محاربة الاستبداد، بدءًا من عهد الاحتلال الفرنسي وصولًا إلى مقاومة الأنظمة الدكتاتورية في الحقبة الحديثة.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أغنية الراحل أبو طن قاسم جاموس، ابن درعا، والتي ما زالت تردد في ذاكرة أبناء السويداء:
“يا سويدا اشتقنا اشتقنا ونحبك موت”
هذه الأغنية هي جزء من التراث الغنائي الذي يعكس الحب والوفاء العميق لمدينة السويداء، وتأتي من قلب الجنوب السوري وتحديدًا من درعا. قاسم جاموس، المعروف بلقب “أبو وطن”، كان قد غنّى هذه الكلمات بكل صدق وإحساس، ليحمل معها مشاعر وأحاسيس لا تقتصر على مجرد كلمات، بل هي تعبير عن ارتباط عاطفي عميق بأرض السويداء وأهلها. الأغنية أصبحت رمزًا للعلاقة الخاصة بين السويداء ودرعا، خاصة في اللحظات الصعبة التي عاشها الشعب السوري، حيث كانت السويداء بمثابة حاضنة للأمل والصمود.

الكلمات “يا سويدا اشتقنا اشتقنا ونحبك موت” تعبر عن حنين دائم للمكان الذي لا يمكن نسيانه، مهما كانت الظروف.
غنى الجاموس وقال: “يا سويدا قومي قولي للعالم الموعد حان، عاشت سوريا حرة وسقط بشار، يا سويدا يالله أين الفرسان أين رجال البلعوسي وأحفاد سلطان”. هذه الكلمات كانت بمثابة رمز للثبات والمقاومة في وجه الأنظمة القمعية، ودعوة للعودة إلى مبادئ النضال والعزة.
السؤال هنا: هل تجد أن هذه الأغنية تحمل طابعًا مشابهًا لأغاني نضالية أخرى في تاريخ سوريا؟ وكيف ترى تأثيرها في الوقت الحالي على الشباب السوري بظل الحريق الملتهب؟
الاستفادة من تاريخ السويداء في بناء المستقبل
لم يقتصر خطاب جنبلاط على التذكير بالماضي، بل كان أيضًا دعوة لبناء المستقبل. فقد شدد على أهمية العودة إلى “إيقونة السويداء” التي تمثل تاريخًا طويلًا من النضال، مؤكدًا على ضرورة أن تستمر السويداء في دورها كرمز للمقاومة والوحدة الوطنية، بعيدًا عن الفتن والإغراءات الطائفية.
وقال في أحد خطاباته: “يجب أن لا تفتح الألقاب والمذهبيات الباب لتدخلات خارجية. السويداء يجب أن تبقى كما كانت، رمزًا للمقاومة والصمود أمام الأزمات”.

لم يكن الخطاب الذي أطلقه جنبلاط مجرد كلمات، بل كان يحمل دعوة فعلية وملحة للذهاب إلى الرئيس أحمد شرع بشكل عاجل وتوجيه حوار بينه وبين المجتمع الدرزي. حيث يعتبر أن الحلول لا يمكن أن تكون خارج السياق الوطني، وأن العلاقة بين جميع السوريين يجب أن تكون قائمة على أساس المواطنة والمساواة. وكان يؤمن بأن اللقاءات بين الأطراف المختلفة هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار الدائم في البلاد.

إضافة إلى ذلك، فان هناك حاجة ملحة لتجديد الصلة بالعالم العربي بشكل أوسع، ولذلك يجب ان يتوجه جنبلاط إلى السعودية لتوضيح الصورة القاتمة التي وضعت على “بني معروف” من خلال بعض الأوساط الخارجية. وهذا التوجه هدفه توضيح مواقف أبناء السويداء في هذه المرحلة الدقيقة، والتأكيد على أنهم جزء من النسيج العربي والسوري، وأن مشكلاتهم لا يمكن أن تُحل إلا ضمن إطار وطني جامع بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

 

 

 

في ظل الأزمات التي عصفت بسوريا، كان وليد جنبلاط يمثل شخصية فريدة في المشهد السياسي، تُستقى منها الحكمة والمبادرة. تمكن من أن يكون الصوت العاقل في أوقات كان فيها الكثيرون يندفعون نحو التوتر والانقسامات. حرصه على السويداء، وحفاظه على هويتها الوطنية، وتأكيده على ضرورة التهدئة والابتعاد عن الفتن الطائفية، كلها مواقف تبرز دوره الفاعل في صناعة السلام وإرساء دعائم الوحدة الوطنية في قلب العواصف السياسية.

شاركها.