فيصل أحمد البقار
يعيش السنة اليوم في الشرق الأوسط تجربتهم السياسية الأولى في بلاد الشام منذ دخول الإسلام إليها. فمنذ الفتح الإسلامي، اتخذ الحكم طابعًا سلطويًا ملكيًا، لا يشارك فيه عامة الناس مشاركة فعلية. واستمر هذا النهج عبر العصور، وصولًا إلى الحكم العثماني، حيث كانت السلطة تُمارس عبر تعيين الولاة بفرمانات سلطانية دون أي تدخل حقيقي من أبناء البلاد.
لكن بعد سقوط الخلافة العثمانية، وانتهاء مرحلة الانتداب، وجد السنة أنفسهم للمرة الأولى في موقع يمكّنهم من خوض تجربة تشكيل نظام حكم وإدارة مستقلة، بعيدًا عن العائلات والبيوتات السياسية التي صُنعت أو دُعمت من قبل الاستعمار الفرنسي لتكون واجهات يمكن التواصل معها وقت الحاجة.
أليس من حق هذا المكوّن الاجتماعي والسياسي أن يُمنح الفرصة لتشكيل دولته الخاصة، وهويته الإدارية والسياسية؟ أليس من العدل أن نترك له المجال ليقدّم نموذجًا حضاريًا يعكس ما تراكم لديه من وعي وخبرة في فهم طبيعة الحكم والإدارة؟ بل أليس من المنطقي أن ننتظر ليرسّخ هذا النموذج الجديد أُسسَه، ليصبح لاحقًا قادرًا على احتضان المكونات الأخرى في سوريا؟ فمن صبر على نظام الأسد وعلى عقود من الديكتاتورية المتلاحقة في سوريا وبلاد الشام، أليس الأولى به أن يصبر قليلًا على محاولة ناشئة لبناء نموذج مختلف، لعل فيه خيرًا للبلاد والعباد؟
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن يشعر السنة في سوريا، خاصة، بالراحة والطمأنينة؛ فما يعيشونه اليوم هو في جوهره لحظة استقرار نسبي أو لحظة تلاق إقليمي–دولي يجب أن تُستثمر بحكمة. هذه اللحظة ليست ضمانًا دائمًا، بل فرصة تاريخية نادرة لتأسيس أُسس واضحة لدولة لا تتهاوى مع أول تجاذب سياسي إقليمي أو دولي. إنها لحظة اختبار حقيقي: هل يمكن لهذه المجموعة من الشعوب أن تشكل ما تراه مناسبًا لمستقبلها؟ هل يمكن أن تنتج نموذجًا يضمن لها الاستقرار، والديمومة، والكرامة، والبحبوحة الاقتصادية؟
