شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مهدي رضا

 

في الأشهر الأخيرة، تفاقمت أزمة انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء متعددة من إيران، لتصبح هذه الظاهرة المتكررة والواسعة النطاق مصدراً أساسياً للمعاناة اليومية للملايين من المواطنين. فالكهرباء، التي تشكل ركيزة أساسية للحياة المعاصرة، واجهت تدهورًا حادًا في خدماتها، ما أدى إلى تعطيل أنشطة الحياة اليومية، تراجع الإنتاج الصناعي، وتعطيل وسائل التعليم والعمل.

 

تنتج أزمة الكهرباء في إيران عن تراكم عوامل متعددة مركبة، تبدأ من سوء إدارة نظام توليد الطاقة، مرورًا بضعف صيانة المحطات، وانخفاض القدرات الإنتاجية، واشتداد العقوبات الاقتصادية التي أرهقت الاقتصاد الوطني، وانتهاءً بزيادة الطلب المفاجئ، خاصة في فصل الصيف عندما تتصاعد درجات الحرارة لتشجع على استخدام مكيفات الهواء بشكل مكثف.

يُقدر أن إنتاج محطات الكهرباء الهيدروليكية تراجع بنحو 75% نتيجة نقص الأمطار وجفاف السدود، مما فرض ضغوطًا إضافية على محطات الكهرباء الحرارية التي تعاني هي الأخرى من أعطال متكررة ونقص في الوقود. هذا النقص في الإنتاج، إلى جانب الاستهلاك العالي والكثيف، أدى إلى فتح دائرة مفرغة من الانقطاعات الكثيرة والمتقطعة، التي قد تستمر لساعات طويلة يوميًا في مناطق واسعة من البلاد.

 

المواطنون الذين اعتادوا الاعتماد على الكهرباء لأداء مشاغلهم المنزلية، الدراسة، العمل وحتى تأمين الرعاية الصحية باتوا اليوم يواجهون صعوبات جمة. ففي كثير من الحالات، توقفت أجهزة التبريد، فتعرض كبار السن والمرضى لمخاطر تفاقمت بفعل ارتفاع درجات الحرارة. كما تعطلت المدارس، خصوصًا أن الدراسة عن بُعد تعتمد أساسًا على توفر الكهرباء. وفي الجانب الاقتصادي، تسببت الانقطاعات في خسائر فادحة للصناعات الحيوية مثل قطاع الصلب والأسمنت، حيث أُجبرت المصانع على خفض ساعات العمل أو التوقف الكامل، ما أدى إلى فقدان آلاف العمال لوظائفهم أو تقليل أجورهم في ظل أزمة معيشية غير مسبوقة.

كل ذلك إضافة إلى تراجع مستوى الخدمات في المستشفيات، ارتفاع حالات انقطاع المياه التي تعتمد على مضخات تعمل بالكهرباء، وتدهور ذريع في الحركة المرورية بعد تعطل إشارات المرور الكهربائية، الأمر الذي أسفر عن حوادث وزيادة في وقوع الحوادث المرورية في عدة مدن.

بالطبع، هذا الواقع المأساوي لم يكن سوى انعكاس مباشر لإخفاق النظام الحاكم في إدارة قطاع الطاقة الحيوي، حيث برزت هشاشة البنية التحتية وعدم وجود خطط واضحة للتجديد والتطوير. وعوضًا عن مواجهة المشكلة بحلول واقعية وجذرية، لجأت الحكومة إلى تحميل المواطنين والقطاعات الاقتصادية الأعباء، مبررة ذلك بالعقوبات الدولية وتحولات السوق العالمية، في وقت لا تعلن فيه بشكل شفّاف عن وضع المصانع والمحطات والدعم المقدم لهذا القطاع.
في الأوساط الشعبية، أثار تردي الخدمات الكهربائية حالة من الغضب

والإحباط، حيث انتشر السخط من عدم توفير أبسط حقوق الحياة وارتفاع درجات الاستياء بسبب غياب الشفافية والمساءلة، إضافة إلى عدم قدرة الحكومة على وقف الانهيار المتسارع في مستلزمات الحياة اليومية.

ترجم هذا الغضب إلى احتجاجات واعتصامات في عدة مدن ومحافظات، رفعت شعارات تطالب بحق الشعب في حياة كريمة، شارحًا أن الأزمة ليست فقط في الكهرباء أو الاقتصاد، بل في نموذج حكم مصدر كل هذه الأزمات. هذه الاصطفافات الشعبية أكدت أن البلاد وصلت إلى مفترق طرق لا يمكن تجاوزه إلا عبر تنظيم ضغط شعبي منظم، يطالب بإصلاحات شاملة، بل وبالضرورة أكثر بعدًا، بإنهاء النظام الفاسد الذي أغرق الإيرانيين في الفقر والمعاناة.
من هذا المنطلق، تؤكد قيادات المعارضة الإيرانية، وعلى رأسها السيدة مريم رجوي، أن الأزمة الكهربائية ليست سوى جزء من أزمة أكبر داخل النظام الحاكم الذي فشل في إدارة الدولة، وهو مسؤول عن كل الأزمات المعيشية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب. وقد صرحت رجوي في عدة مناسبات بأن الحل لا يكمن في الإصلاحات الجزئية أو الحلول المؤقتة، بل في إزاحة النظام السياسي القمعي الذي يعيق تطلعات الشعب للحرية والكرامة.
قالت رجوي في خطابها الأخير:
“لن يتحقق طريق الحرية والكرامة لشعبنا ما دام النظام الفاسد القائم يمارس القمع والفساد، ويمنع إنجاز الإصلاحات الحقيقية. المقاومة المنظمة والوحدة بين أبناء الوطن هما السبيل الوحيد للإطاحة بهذا النظام والحصول على حياة حرة وكريمة.”
إن استمرارية انقطاعات الكهرباء لا تُعد مشكلة تقنية فقط، بل هي مؤشر على حجم التدهور الشامل في اقتصاد البلاد وسياسة الحكم، والرسالة الواضحة بأن المستقبل الذي يطمح إليه الشعب لا بد أن يُبنى على أساس تغيير جذري، لا إصلاحات وهمية أو سياسات ترقيعية.
في الختام، تبدو أزمة الكهرباء في إيران أحد وجوه الأزمة الوطنية الكبرى التي تواجه البلاد، حيث تبرهن على عجز النظام القائم في حماية مواطنيه وتوفير المتطلبات الأساسية للحياة. ولأن التاريخ لا يسمح للظلم بالاستمرار، يتحتم على الشعب الإيراني أن يرفع صوته ويُنسيّق جهوده في سبيل استعادة حقوقه، والنضال من أجل إنهاء الحكم الذي أخفق في تحقيق أبسط مطالبهم، من أجل غدٍ أفضل ينبض بالحرية والرفاهية.

شاركها.