خالد خشفة
محلل وباحث سياسي
في زاوية الوطن الشمالية تقف عكار كأفقر محافظة لبنانية مهمّشة في التنمية وغائبة عن الخطط الرسمية
لم يكن هذا التهميش صدفة بل نتيجة نهج رعته الأحزاب الطائفية التي استخدمت أبناء عكار كخزان انتخابي يُستنهض عند الحاجة ثم يُترك للبطالة والفقر .
الأخطر من التهميش الاقتصادي كان التهميش المعنوي حيث سعت بعض القوى إلى إلصاق تهم الإرهاب بأبناء عكار فقط لأنهم من طائفة معينة
فيما تتغاضى عن سلاح آخر منظم يفرض واقعًا سياسيًا بقوة الأمر الواقع .
من المفارقات الصارخة أن بعض القوى المسيحية تغضّ الطرف عن سلاح حزب الله رغم تدخله في الحروب الخارجية وتسببه بالعزلة والانهيار
بينما تُشيطن أي تحرك سنّي وتعتبره تهديدًا للدولة .
السنة في لبنان لم يكونوا دعاة حرب بل تعرضوا للاعتداء والتهميش والافتراء ومع ذلك تم شيطنتهم جماعيًا فيما السلاح الخارج عن الشرعية يُمنح صك الوطنية باسم المقاومة .
عكار ليست إرهابية بل ضحية سلطة تخلّت عنها وأحزاب استغلتها ودولة لم تراها إلا كصوت في الانتخابات أو كبقعة تصلح لإقامة مكب نفايات أو سجون أو مشاريع لا يجرؤون على وضعها في مناطقهم .
التحامل على السُّنة لم يكن مسألة أمنية بل خطابًا سياسيًا مبيّتًا حاول تحميل طائفة بكاملها وزر ردّ فعل بينما يتم التغاضي عن سلاح منظّم يقرّر مصير البلاد دون الرجوع إلى الدولة هذا التحيز الممنهج فتح الباب أمام شعور عميق بالغبن والإقصاء ورسّخ الانقسام الوطني بدل أن يعالجه .
عكار خزان للجيش لا خزان للإرهاب
ليس من العدالة ولا من الأخلاق أن تُختزل عكار ويتهم أبناؤها بالتطرف أو الخطر الديموغرافي فالحقيقة أن عكار شكّلت عبر التاريخ العمود الفقري للمؤسسة العسكرية وقدّمت خيرة شبابها شهداء في سبيل وحدة الوطن واستقراره والدماء التي سالت من أبنائها على الحدود وفي الداخل كانت في وجه العدو الإسرائيلي والإرهاب والانفلات الأمني لا في وجه الدولة .
ورغم كل ذلك لم تسلم عكار من حملات التشويه بل بلغ الاستخفاف حدًّا أن وزيرة سابقة مثل ماي شدياق عبّرت علنًا عن قلقها من كثافة الولادات في عكار وكأن أبناء الشمال عبء ديموغرافي يجب التحذير منه لا مواطنين شركاء في الوطن هذا الخطاب لا يعبّر عن حرص على الدولة. بل عن ذهنية طبقية وطائفية مقيتة تُخيف من الفقراء بدل أن تسعى لإنصافهم وتُدين الضحية بدل أن تحاسب من أهملها .
التخوّف من عكار ليس وليد موقف سياسي بل نتاج ثقافة نخبوية مشوّهة ترى في أبناء الريف والحدود مجرد أدوات عند الحاجة وتعود لتحاسبهم على فقرهم أو كثرتهم أو لهجتهم وهنا مكمن الخطر حين يصبح لبنان بلدًا يخاف من ناسه بدل أن يحتضنهم ويصبح وطناً بلا مستقبل .
هذه الحملات لا تأتي من فراغ بل هي أداة ممنهجة تُستخدم لصرف النقاش عن جوهر الأزمة اللبنانية وجود سلاح لا يخضع لسلطة الدولة ولا لقرار الشعب ولا لمصلحة لبنان العليا فيتم التهويل بحرب قادمة أو مؤامرة كونية بينما الحرب التي دمّرت بيروت والانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية كلها نتجت عن سياسة المحاور والسلاح الخارج عن الشرعية
الإعلام الموجّه لم يعد يُقنع أحدً فهو يبرّر لحزب واحد كل ما يُمنع على غيره ويُدافع عن تدخل عسكري في سوريا واليمن والعراق بينما يُدين أبناء طرابلس إذا احتجّوا على الظلم أو طالبوا بحقوقهم ويُشيطن فقراء عكار والبقاع ويمنح صكوك الوطنية لكل من يصمت أو يُسبّح بحمد السلاح المقدّس .
إن خطر لبنان اليوم ليس من خارج الحدود بل من داخل السلطة من داخل خطاب يرعب الناس لتمرير الخضوع ويُخوّن كل من يطالب بالدولة والعدالة والمحاسبة .
والحقيقة أن من يصنع الخوف لا يحمي الوطن… بل يخنقه .
