شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

ميشلين بيطار

كم كنا نأمل أن تظلّي تلك المرأة التي احتضنها وجدان اللبنانيين يوم خرجتِ من بين أنياب الموت.
رمزًا للحرية، للصمود، ولبنان الواحد الجامع.

حين يصل الخطاب إلى مستوى الحقد والتصنيف الطائفي، يفقد قيمته، بل يُسقط أي نية للحوار البنّاء.
تم اغتيال إمكانية النقاش و تمّ تشويه صورة طائفة بأكملها، لتبرير فشل منظومة امتلكت السلطة لعقود و ضيّعت فرصة بناء وطن متوازن و عادل.

بدل الحديث عن التنمية المتوازنة، تتحدثين عن “العددية” وكأن الأطفال باتوا تهمة، والإنجاب جريمة.

لبنان لا ينهض إلا بالعدالة بين مناطقه وطوائفه، لا بخطابات التخويف والتحريض.
ومن أراد تقليل أعداد الفقراء في الشوارع، فليعمل على تحسين التعليم، والنهوض بالاقتصاد، وتحقيق المساواة.
لا على جلد الناس بلحمهم الحي.

ألا يكفي هذا البلد ما فيه من كره وبغض؟
ألا يكفيه ما فيه من آلام وانقسامات ونكبات؟
أيُعقل أن نضيف إلى الجراح المفتوحة جرعة جديدة من السمّ والتفرقة؟

إن ما يحتاجه لبنان اليوم هو صوت حكيم يطفئ النار، لا من ينفخ في رمادها.

تصريحك بأن “السنة ما زالوا في عكار ينجبون “أربعين ولداً” هو قول يفتقر إلى أدنى درجات الرصانة والمسؤولية.
هذا الكلام ليس فقط عنصريًا ومسيئًا، بل جهل اجتماعي فاضح لا يليق بمن تعتبر نفسها إعلامية أو صاحبة شأن عام.

أولاً،
ارتفاع معدّل الإنجاب في بعض المناطق ليس سمة دينية، بل نتاج طبيعي للفقر والإقصاء.
المجتمعات الزراعية والمهمّشة تُنجب أكثر، وهذا أمر طبيعي وموثّق في كل تجارب الشعوب. والدليل الأقرب أن الطائفة المارونية نفسها، حين كانت أكثر فقرًا، كانت معدلات الإنجاب فيها أعلى بكثير مما هي عليه اليوم.

والدليل الأوضح، أن الفيليپين، أكبر دولة كاثوليكية في العالم، تُعدّ من الأعلى عالميًا في معدلات الخصوبة.
فهل يُلام دينها أم ظروفها التنموية؟

ثانيًا،
الطائفة السنية في لبنان لم تسعَ يومًا إلى الهيمنة العددية أو الاستئثار بالسلطة. بل على العكس، هي من دعم رئاسة الجمهورية للموارنة منذ عهد رياض الصلح.
كما أن المملكة العربية السعودية – الدولة السنّية الصِرفة – هي من رعت اتفاق الطائف، وفرضت مبدأ المناصفة، حمايةً لحقوق المسيحيين من “العددية” لا العكس.
فهل هذا منطق من يخطط للهيمنة؟

ثالثًا،
عكار هي خزان الجيش والوطن و الشرف و التضحية .
أبناؤها في الثكنات لا على أرصفة التسوّل.
تأخذهم الدولة بفتات من المال، وتعيدهم لأهلهم نعوشاً مغطّاة بالعلم.
فهل يكون ثمن وفاء الفقير أن يُهان و يُدان ؟

رابعاً،
لا يحق لمن عاش على امتيازات النظام القديم أن يحتقر الناس لأنهم فقراء.
فالفقر ليس تهمة، بل نتيجة لفساد سياسي طويل، شارك فيه من تعتبرينهم اليوم “أقليّة راقية”.
إن من يحتقر الفقير، لا يعرف شيئًا عن الوطن.

خامساً ،
مَن رفع المستوى التعليمي للطائفة السنية وغيرهم؟ أليس رفيق الحريري، الذي قدّم آلاف البعثات الدراسية لأبناء كل الطوائف؟
من مِن أثرياء الموارنة فعل الأمر نفسه؟ لماذا تُحجب الحقائق؟

سادساً ،
تتحدثين بمنطق “تحالف الأقليات” وكأنكِ تقولين: “لن نرضى بحكم الأكثرية، حتى ولو كانت معتدلة وغير مسلّحة.” لكن الواقع أن الطائفة السنية هي الوحيدة اليوم التي لا تملك ميليشيات، ولا سلاحًا، ولا تهديدًا.
بل ما تزال تؤمن بالدولة، وبالعيش المشترك، وبالدستور.

سابعاً ،
أما عن “العددية” فحدّثي عقلكِ لا الناس.
هل ما زلنا في زمن “أكثريات وأقليات”؟
هل ما زلنا نعيش في ذهنية “أكلونا المحمودات”؟
نحن في عصر تجاوز هذه المفاهيم الخشبيّة.
في زمن التكنولوجيا والعلم، لم يعد للعدديّة أي معنى حقيقي.
دولة من تسعة ملايين نسمة، تخضع منطقة من نصف مليار.
فمن يملك أدوات القوة الحقيقية؟ العلم، الاقتصاد، الذكاء الاصطناعي، المؤسسات ، لا الأرقام.

إذا خرجنا بوماً من قوقعة الغرور و التكبّر والتصنيفات، قد نتمكّن ان نرى شركاءنا في الوطن كما هم: بشر يتألّمون مثلنا.

إلى ذلك الحين،ليصمت من لا يملك إلا السُم،
ولينطق فقط من لديه ضمير ،
علّنا ننقذ ما تبقّى من هذا الوطن.

شاركها.