شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

د. هادي مراد

 

يحكى أن “أجاكس”، بطل الإغريق العظيم، خُذل حين مُنحت أسلحة “أخيل” لغيره. امتلأ قلبه بالغيظ، وراح في نوبة جنون، فرأى أعداءه بين الماشية، فذبحها جميعًا. ولما أفاق من غفلته وأدرك فعلته، لم يحتمل العار، فغرس سيفه في صدره. هكذا قُتل الشرف حين عجزت البطولة عن تحمّل الهزيمة.

بهذا المشهد التراجيدي تبدأ حكاية لبنان اليوم، حيث يستبدل حزب الله خصمه الطبيعي — إسرائيل — بعدو آخر: الشعب اللبناني. لم يعد الكيان المحتل على حدود الجنوب هو المستهدف الأول. بل بات العدو في لبنان من يسأل، من ينتقد، من يتنفس خارج عباءة السلاح. صار الحزب يحارب الداخل، بعدما أعفى نفسه من أي التزام في مواجهة الشيطان الأكبر.

بات من الواضح أن حزب الله لا يريد تسوية ولا حوارًا ولا دولة. ردّه على ورقة المبعوث الأميركي في زيارته الثالثة إلى لبنان خلال أقل من شهرين كان صارمًا وحاسمًا: لا لتسليم السلاح، لا لحصر القرار، لا للمؤسسات، لا لغيرنا. الجواب وصل إلى الأخ الأكبر النبيه بصيغة واضحة: “لن نسلّم، ولن نتراجع، وإن غرقنا فليغرق البلد معنا”.

وما يقابل هذا الإصرار على الانتحار، صمت صريح من الرئاستين الأولى والثالثة. قائد التجديد الرئيس جوزيف عون، الذي يُفترض أن يكون رأس وحامي الدولة، يغيب عن المشهد. لا موقف، لا رفض، لا توضيح لدور الجيش في ظل السلاح المتفلّت. أما صلاح الدين المرحلة، الرئيس نواف سلام، الآتي من خلفية قضائية ودبلوماسية، فلا يبدو قادرًا أو راغبًا في الدخول بمواجهة مع الحزب، بل يلوذ خلف الضباب السياسي المنتشر فوق بيروت.

وحده الرئيس نبيه بري، الحليف التاريخي لحزب الله، امتلك في الجلسة الأخيرة بعض الجرأة لقول ما يجب أن يُقال. قالها أمام الجميع، أمام الكاميرات، وبلا مواربة: “أنا الرئيس بري مع حصر السلاح”. هذه العبارة ليست تفصيلًا، بل صفعة سياسية للحزب، ورسالة إلى اللبنانيين بأن زمن الطاعة العمياء يترنّح، حتى من داخل “الثنائي”.

لكن الحزب، المثكل بجراحه المزمنة، لا يبحث عن مخرج، بل يمعن في اقتحام الجدار. لا يريد الخلاص، بل يشتهي الانهيار، ويحمل اللبنانيين معه على صهوة كبريائه نحو جحيم لا قرار له. فها هو، بعد أقل من أسبوع على إعلان مصرف لبنان المركزي حظر التعامل مع “جمعية مؤسسة القرض الحسن”، يعلن افتتاح أربعة فروع جديدة دفعة واحدة. أراد أن يقول لقادة الدولة المعتكفين: “أنا أحكم، وأنتم تطيعون”.

الحزب لا يعيش في إنكار، بل يدرك جيدًا ما يخبئه المستقبل. يعرف أن الجولة الثانية من الحرب الإسرائيلية على إيران تقترب، ويحسب بقرارة نفسه أنه سيكون هدفًا أساسيًا فيها. لكن بدل أن يعيد ترتيب أولوياته، أو يُقدّم مصلحة لبنان كدولة، يختار التوغّل أكثر في كبرياء موهوم، ولو على أنقاض الوطن.

وما يزيد المشهد قسوة، أن التهديدات الأمنية لا تزال تعبث بالمعارضين الشيعة، والبيئة الداخلية تُراقَب وتُحاسَب، ومن لا يصطف خلف “النهج المقاوم” يتحوّل إلى خائن. ولا تزال بعض الأجهزة الأمنية تحتمي بوفيق صفا، هذا “الملاك الحارس” الذي يحكم باسمه وباسم الظل، أكثر مما يحكم الدستور أو القانون.

الهوة بدأت تتسع حتى داخل الثنائي الشيعي نفسه. حركة أمل لم تعد مرتاحة، وتبدو كأنها تسعى للخلاص أو على الأقل إلى مسافة تُبقي لها مكانًا على طاولة الدولة. أما الحزب، فلا يريد سوى الصلب، والموت البطيء على خشبة الطاعة. بين منطق “النجاة الممكنة” ومنطق “الاستشهاد الدائم”، تضيع دماء اللبنانيين عبثًا، وتُهدر مؤسسات الدولة خدمة للدبّ الإيراني الكبير.

ليس في الأفق أي علامة تراجع. الحزب لا ينوي أن يرضخ. لا خطة إنقاذية، لا استعداد للمساومة، لا إحساس بالخطر الآتي. فقط غرور القوة، واستعلاء السلاح، وشهوة البقاء ولو فوق الرماد.

وكما أجاكس، الذي لم يحتمل الإهانة حين سُلبت أسلحته، فذبح الأبرياء وانتحر، يبدو أن حزب الله يفضّل معركة وهمية ضد الداخل على المواجهة الحقيقية. لكن التاريخ لا يرحم من يخطئ العدو، ولا يغفر لمن يستبدل النضال بالهيمنة. النهاية، إن استمرت هذه الطريق، لن تكون نصرًا، بل مأساة تروى لأجيال قادمة تبدأ بجملة واحدة: كان يا ما كان.

شاركها.