شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مهدي رضا

 

في السنوات الأخيرة، تصاعدت أزمة المياه في إيران بشكل لم يسبق له مثيل منذ أكثر من نصف قرن، لتحوّل هذا البلد الغني بالموارد الطبيعية إلى واحدة من أكثر البقاع عطشاً في العالم. بات العطش اليوم مسؤولاً عن تشريد العائلات من قراها، وتشتيت المجتمعات، وتدمير الزراعة والصناعة، وتهديد نمط الحياة برمته في أنحاء واسعة من البلاد. وتتعقد هذه الأزمة مع استمرار عجز النظام الحالي وسياساته الخاطئة عن تقديم حلول جذرية، ما دفع الشعب الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة من الغضب والاحتجاج.
الجذور الحقيقية للأزمة وتفاقمها.

أسباب الأزمة متداخلة، تبدأ من التغييرات المناخية وقلة هطول الأمطار المستدامة منذ خمس سنوات متتالية، مرورًا بموجات جفاف قاسية تسببت في تراجع الموارد المائية المتجددة بنسبة تفوق 30% على مدى ثلاثة عقود. لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً أن السبب الأكبر يكمن في سياسات النظام القائم التي تميزت بسوء الإدارة، والسعي وراء مكاسب قصيرة الأجل على حساب البيئة والمجتمعات المحلية. مشاريع السدود العشوائية والعبث بالنظام البيئي، والاستخراج المفرط للمياه الجوفية، حوّلت الأنهار والبحيرات إلى أراض قاحلة حتى أصبح أكثر من 80% من الموارد المائية المتجددة مستهلكاً بالكامل، وبعض مناطق إيران باتت قاحلة بشكل شبه كامل.
الأزمة لم تقتصر على تقلبات المناخ. الاستهلاك المفرط في الزراعة بسبب أنظمة ري تقليدية مهدرة أدى إلى استنزاف خزانات المياه، حيث يُستهلك أكثر من 90% من المياه في الزراعة بكفاءة أقل من المعدل العالمي، ما جعل البلاد على حافة الانهيار المائي. مشاريع السدود غير المدروسة أغلقت مجاري الأنهار، ما حرم الأراضي الزراعية من حصتها، ودمر مصادر رزق آلاف المزارعين، وتسبب بنزوح السكّان داخلياً نحو المدن الكبرى.

 

انعكاسات الأزمة على حياة المواطنين
انعكست الأزمة بشكل مأساوي على الحياة اليومية للإيرانيين، الذين أصبحوا يواجهون انقطاعات مائية طويلة، وتراجعاً هائلاً في جودة المياه التي تصل إليهم. في طهران والمدن الأخرى، لم تعد المياه تصل إلى الطوابق العليا في المباني السكنية، ومناطق مثل سيستان وبلوشستان تحولت إلى بؤر إنسانية يضطر فيها المواطنون إلى السير لمسافات بعيدة لجلب بضعة لترات من المياه غير الصالحة للشرب.
الزراعة، أساس الأمن الغذائي في الريف، شُلّت حركتها مع جفاف الحقول واختفاء الأنهار، وتحولت آلاف الهكتارات إلى أراض قاحلة. مناطق مثل ورزنه في أصفهان والساحل الغربي تفتقد اليوم المزارعين والأشجار المثمرة. مظاهر الهجرة الداخلية تضرب المدن الكبرى بحثاً عن فرصة للعيش، بينما يعيش آلاف السكان على حافة الفقر والديمومة بسبب فقدان مصادر الرزق.
كذلك، المستشفيات لم تسلم من آثار الأزمة، حيث تسبب شح المياه في تعطيل أجهزة التعقيم وقطع المياه عن بعض المستشفيات، وارتفعت معدلات الأمراض المنقولة بسبب تلوث المياه الراكدة. في بعض المناطق، تحولت المياه التي توفرها السلطات إلى ما يشبه المُستنقعات، ولم تعد صالحة للاستهلاك البشري.

 

بروز الاحتجاجات الشعبية والرفض الجماعي
حولت أزمة المياه حياة الملايين إلى جحيم، فباتت الاحتجاجات مشهداً دائماً في مناطق الريف والمدن الكبرى. رفع المواطنون لافتات تطالب بحقهم في المياه وفي الحياة الكريمة، مؤكدين أن الفشل الذريع للنظام في إدارة ملف المياه مجرد حلقة ضمن سلسلة طويلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجها هذا الحكم.
السلطات قابلت المطالب الشعبية بتجاهل وغموض، وإخفاء للبيانات الحقيقية حول حجم الكارثة، بل ولجأت إلى سياسات تقنين المياه بدل معالجة الأسباب الجذرية، فيما استمرت في تنفيذ مشاريع مربحة لفئة محدودة.

 

 

الأفق المسدود ومسؤولية النظام

لا حل في الأفق ما دامت سياسات النظام الحاكم تُكرّس نهب الموارد وتدمير البيئة والهروب من المساءلة. لم تُقدَّم حتى اليوم أي خطة وطنية علمية جادة، بينما تسوَّق وعود وهمية لم تخفف من أولويات الكارثة. الواقع يكشف أن إيران تقف فعليًا أمام انهيار مائي شامل: المدن الكبرى باتت مهددة بانقطاع المياه بشكل كامل، والقرى والضواحي تعيش حالة الموت البطيء.

 

 

درس من المعاناة… وأمل في التغيير
أزمة المياه في إيران ليست مجرد فشل تقني أو بيئي؛ بل أزمة سياسية عميقة الجذور. استمرت سياسات النظام لعقود في تجاهل صوت الشعب وتحميله أعباء الفشل وسوء الإدارة، حتى وصلت البلاد إلى حافة “يوم الصفر” المائي. لا أمل لأي إصلاح حقيقي إلا بتغيير جوهري يمكّن الشعب من السيطرة على مقدراته وحياته، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرية، الكرامة، واسترداد الحق في الحياة.
هذا الواقع المؤلم يضع على أكتاف الشعب الإيراني والمقاومة الإیرانیة مسؤولية التصدي والمناداة بالتغيير، والعمل من أجل بناء مستقبل مستدام لأجيالهم، يقوم على العدالة والشفافية والإدارة الواعية للموارد، لينتهي عصر العطش وتبدأ مسيرة الأمل الحقيقي.

شاركها.