شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

نبيل شحادة

بعد أن نال لبنان استقلاله في عام 1943، بدأت معاناة الدولة اللبنانية الناشئة من مشكلة خطيرة ضربت هيكليتها وبنيتها الأساسية، فأطاحت مع مرور الوقت وتجاهل معالجتها، بواحدة من أهم مواصفات الدولة، الا وهي حصرية السلاح بيدها. انتشر السلاح بين الأفراد وسمّاه البعض “زينة الرجال” وأصبح اطلاق الرصاص في الاعراس والمناسبات ونتائج الامتحانات والمشاكل الفردية ظاهرة ثابتة في الحياة اللبنانية. كذلك تأسست في الخفاء والمناطق النائية تشكيلات طائفية وحزبية مسلحة مدعومة من الخارج، ونمت وتطورت حتى أصبحت ميليشيات لها هيكليات متكاملة وانتشار جغرافي، وتملك ترسانات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وحتى الثقيلة، التي كانت تردها من الخارج برّاً وبحراً، وفي أحيان كثيرة تحت أعين الدولة وتقاعسها عن حماية حقها في احتكار العنف، واعتبارها له أنه أمر قابل للتسويات بحسب المصالح والمكاسب. وكان المؤسسون لهذه الميليشيات بمختلف توجهاتهم ومشاريعهم، جزءا من الدولة، أو مقرّبين منها، واجتمعوا على أمرٍ فيه من الغرابة و النفاق السياسي ما يدعو الى الضحك أحياناً؛ فقالوا أنهم لا يثقون بالدولة، بسبب ضعفها وعجزها عن حمايتهم، أو بسبب انحيازها في قضايا متعددة لفئات دون أخرى، ولذلك كانت الضرورة لتأسيس هذه الميليشيات -برأيهم- لحماية طوائفها وأحزابها وزعمائها من عنف وأحقاد ومؤامرات “الآخرين”.
ما سيرد، عرض مفصّل وموثّق لأبرز المحطات -وليست كلها- التي شكّلت انعطافات حادة ومؤلمة بسبب ظاهرة السلاح، وسيكشف كيف كان دائماً سبباً لتطور الأزمات السياسية وتفاقم الأحداث وتغليب لغة القوة، والمقامرة بالدولة ووجودها وهيبتها ووجودها ومستقبلها، وبدلاً من سلوك طريق الحوار داخل المؤسسات الدستورية أو في الأطر السياسية المعروفة، كانت البندقية هي الوسيلة الوحيدة لتغيير ما هو مرفوض، أو فرض ما هو مطلوب:

نكبة فلسطين
النكبة الفلسطينية في عام 1948، دفعت بمئات الآلاف من اللاجئين الى الدخول الى لبنان وتوزّعهم في مخيمات من الجنوب وصولاً الى الشمال، وبسبب عوامل سياسية وأمنية انتشر السلاح بأنواعه بينهم بذريعة الدفاع الذاتي، لتتحول المخيمات من أماكن لجوء انساني الى قواعد عسكرية ترفع شعارات المقاومة وتحرير فلسطين.

ثورة 1958
وصل كميل شمعون الى رئاسة الجمهورية في عام 1952، وانضمّ الى حلف بغداد الذي أعلنه الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور في عام 1955 مع المملكة المتحدة والعراق وتركيا وايران وباكستان، لمواجهة المد الشيوعي والناصري في منطقة الشرق الأوسط، التي شهدت صعود القومية العربية مع الرئيس جمال عبد الناصر والذي أشعل حماسة الشارع العربي الاسلامي في لبنان، وأثار بنفس الوقت مشاعر القلق لدى المسيحيين خوفاً من ذوبان الكيان في مشاريع وحدوية. وزاد الأمر خطورة باتهامات للرئيس شمعون برغبته في تعديل الدستور والتمديد لنفسه، وهو ما اعتبره معارضوه انقلاباً على الدستور، وتطاولاً على الديمقراطية. انطلقت التظاهرات ثم تطورت الى مواجهات مسلحة في بيروت وطرابلس والبقاع ومناطق أخرى بين مناصري شمعون والقوى المتحالفة ضده، وحاول قائد الجيش آنذاك فؤاد شهاب الحفاظ قدر الإمكان على حيادية الجيش والمساهمة في عدم تفكك الدولة.
تفاقمت المعارك وارتفع عدد القتلى والجرحى، وبناء لطلب الرئيس شمعون، نفّذ الجيش الأميركي انزالاً لقوات البحرية في شواطىء بيروت لحماية حليفها، ثم عملت واشنطن مع القاهرة على تسوية للوضع القائم قضت بتراجع شمعون عن التمديد، وانتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، فعمل على فرض الأمن ونشر الهدوء، واصلاح المؤسسات، واحتواء الخلافات والتوترات السياسية والطائفية.
أحداث 1958، كانت “تجربة أداء” نجح اللبنانيون في اظهار قدراتهم فيها في التفاعل مع الأزمات، واستعدادهم للإطاحة بكل شيء، ورفضهم التواصل والتحاور من أجل مصلحة بلدهم، ليعيدوا الكرّة وبصورة أبشع وأكثر إيلاماً في عام 1975.

اتفاق القاهرة
تضخّم قوة الفصائل الفلسطينية وتصاعد العمل المسلح دون ضوابط أو اتفاقات تحكمه، زاد التوتر مع القوى الأمنية اللبنانية التي شعرت أنها أصبحت شاهد زور على ما يجري تحت انظارها على الاراضي اللبنانية، فمنعت الفلسطينيين من التواجد قرب الحدود، ووضعت مخفراً عند تخوم كل مخيم لمراقبة السكان خوفاً من حصول اعمال مسلحة ضد اسرائيل. انزعج الفلسطينيون من هذه الممارسات واعتبروها مخططاً لمحاصرتهم ومنعهم من العمل الفدائي، فاندلعت مناوشات متنقلة، تطورت نتيجة ممارسات متبادلة من الجيش اللبناني والفلسطينيين الى أحداث مخيم نهر البارد في عام 1968، واستكملها الفلسطينيون بعمليات عسكرية واسعة ومستغربة ضد نقاط عسكرية لبنانية في شمال لبنان شملت المعابر الحدودية والجمارك والمخافر. علاج هذه الأزمة كان بارتكاب خطيئة أكبر تمثّلت في توقيع اتفاق القاهرة في عام 1969بين الدولة اللبنانية ممثلة بوفد بقيادة العماد إميل بستاني، وياسر عرفات عن منظمة التحرير الفسطينية وبرعاية من الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
قضى الاتفاق بتنازل الدولة اللبنانية عن جزء من سيادتها، ومنح الحق الكامل للفصائل الفلسطينية في انشاء معسكرات تدريب ومخازن أسلحة، وتنفيذ عمليات عسكرية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية دون علم وإذن الدولة. لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل ألزم الاتفاق لبنان بتحمّل عبء أكبر بعد أحداث ايلول الأسود في الأردن في عام 1970، والصراع المسلّح بين الجيش الأردني وقوات منظمة التحرير الفلسطينية، ونتيجة أسباب كثيرة ومعقدة وشائكة، وخوفاً من حصول شرخ طائفي داخلي في لبنان، وتحت ضغط التعاطف الاسلامي والقومي مع القضية الفلسطينية ومفاعيل اتفاق القاهرة، سمحت الدولة اللبنانية لمجموعات كبيرة من الفدائيين بالدخول الى أراضيها مع سلاحهم عبر سوريا التي سهّلت انتقالهم براً للتخلّص منهم، وللمساهمة في جعل لبنان مقراً أساسياً للفصائل الفلسطينية وساحةً مفتوحةً للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. هذا الوجود المسلّح الى جانب عوامل داخلية لبنانية متراكمة لعقود من الزمن، تحوّل إلى طرف أساسي في تأجيج الصراع الداخلي اللبناني، وأصبح احد العوامل الحاسمة في تفجير الحرب الأهلية في عام 1975 والانخراط في معاركها ومحطاتها الدموية.

أحداث عام 1973 بين الجيش والفلسطينيين
اتفاق القاهرة الذي تنازلت فيه الدولة اللبنانية عن جزءٍ من سيادتها، عمّق الانقسام الداخلي بين طرف مسيحي يرى أن الفلسطينيين تعاظمت قدراتهم وتجاوزوا الخطوط الحمراء في وجودهم، وطرف اسلامي يساري يدعم الفلسطينيي ويعتبر ممارساتهم جزءاً من الصراع العربي الاسرائيلي المحقّ والعادل. الدولة رأت أن الفصائل الفلسطينية كانت تتحرك بطرق استفزازية وتنفّذ عمليات فدائية عبثية انطلاقاً من الجنوب، ويتحمّل لبنان نتائج الردود الاسرائيلية العنيفة. فشلت الدولة في اعادة لملمة وضبط الوضع سلماً، في ظل أحداث ساهمت في رفع منسوب التوتر بين الطرفين ومنها تفجير خطوط وخزانات التايبلاين في الزهراني، والكشف عن مطبعة لجوازات السفر المزورة، ومحاولة تهريب مواد متفجرة الى فرنسا عبر مطار بيروت، واغتيال الروائي غسان كنفاني ، ثم جاء اغتيال القادة الثلاثة، محمد يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان، بعملية كوماندوس اسرائيلية محكمة في بيروت، ثم خطف جنود لبنانيين، فإندلعت إشتباكات طاحنة بين الجيش اللبناني والقوى الفلسطينية في ٢ ايار من عام 1973، في صيدا وبيروت وقصف الطيران اللبناني مخيم برج البراجنة، الى أن تمّ التوصل الى اتفاق جديد في 17 ايار 1973، وسُمّي ملكارت نسبة الى الفندق الذي عُقدت فيه الاجتماعات، واعتبره كثيرون مكمّلاً لاتفاق القاهرة. بنود الاتفاق عالجت مسائل الوجود الفلسطيني على الأراضي اللبنانية وتنظيم عملها، والأسلحة التي تحتفظ بها في المخيمات، وخطوط تجوّل عناصرها والأسلحة المسموح بها، إضافة إلى منع انطلاق العمليات الفدائية من لبنان، والتزام الفصائل الفلسطينية بعدم التعرض لسيادة لبنان ومصالحه إعلاميًا، وضبط المخالفات والتجاوزات التي يرتكبها عناصر المقاومة داخل المخيمات وخارجها.

حرب لبنان
مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في سنة 1975، أصبح السلاح غير الشرعي سيّد الساحة اللبنانية، والعنوان الرئيسي للفوضى والانهيار الكامل للدولة وسلطتها المركزية ومؤسساتها، وبدعم اقليمي من سوريا وليبيا والعراق واسرائيل وغيرهم، برزت عشرات المجموعات المسلحة في كل المناطق ولدى كل الطوائف، ولكل منها علمها ونشيدها وهيكليتها ومشروعها وتمويلها ووسائل اعلامها، وأسّس بعضها “كانتونات” طائفية ومناطقية ومحميات اقتصادية بقوة السلاح، واعتمدت على التهريب وأنشطة غير قانونية لتمويل نفسها وقياداتها وحروبها، فقوّضت هيبة الدولة وأنهت نفوذها.

الدخول السوري
اجتاح الجيش السوري لبنان في عام 1976، نتيجة تقاطع مصالح اقليمية ودولية، فغضّ الاتحاد السوفياتي النظر، وفهمت اسرائيل أهداف التحرك وإطاره، وأعطت الدول العربية دعمها سراً وعلانية له، وكان وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على اطلاع دائم بما يجري، وهو الذي رأى في التدخل السوري وسيلة لضبط الفوضى ومنع تفجّر الوضع إقليميًّا، فنال الرئيس السوري حافظ الأسد الضوء الأخضر للتدخل في لبنان، والعمل على تحقيق عدة أهداف ومنها، فرض نوع من التوازن الصوري بين الأطراف المتحاربة، والحفاظ على حد أدنى من الأمن والاستقرار، وخدمة هدف مشترك مع اسرائيل وهو ضبط ايقاع العمل الفلسطيني المسلح وتقليم أظافره. وفي نفس الوقت تمكن حافظ الأسد من دعم وتثبيت نفوذه الاستراتيجي داخل الساحة اللبنانية التي كان دائما يحلم بالسيطرة عليها والتحكّم بكل مجرياتها، وخاصة وضع السنّة في لبنان تحت انظاره ورقابته مباشرة. هذا الدخول مُنح غطاءً عربياً هشّاً وكاريكاتيرياً بطلب أميركي و تحت مسمّى “قوات الردع العربية”. السوريون سيطروا على لبنان، وأصبح لهم الدور البارز في موضوع انتشار السلاح في لبنان، ورعت حواجزهم وعيونهم الساهرة كل ما يجري على الساحة، وتحكموا بطرق الإمداد، وأنواع السلاح وكمياته التي تصل للميليشيات المختلفة، وعملوا على الدفع بها الى التقاتل عسكريا وفي جولات متنقلة في المناطق بما يخدم استمرار الهيمنة السورية على لبنان.

الاجتياح الاسرائيلي وعملية سلامة الجليل
شنّت إسرائيل في السادس من حزيران من عام 1982، اجتياحًا واسعًا للبنان تحت اسم “عملية سلامة الجليل”، وكانت ذريعتها الرد على محاولة اغتيال سفيرها في لندن شلومو أرجوف، ولضرب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ من الجنوب قاعدة لها. تقدمت القوات الإسرائيلية حتى وصلت الى بيروت، وفرضت حصارًا خانقاً استمر 88 يومًا على الجزء الغربي منها. عملت الولايات المتحدة عبر وسيطها فيليب حبيب على وساطة بين المنظمة واسرائيل، وتم التوصل الى اتفاق يقضي بخروج المقاتلين الفلسطينيين وضمان سلامتهم، مقابل وقف الهجوم الاسرائيلي وضمانات أميركية وفرنسية لحماية المدنيين الفلسطينيين في المخيمات وانتشار قوات متعددة الجنسيات.
لم تكد عملية ترحيل المقاتلين الفلسطينيين من بيروت تنتهي، حتى اُغتيل الرئيس المنتخب بشير الجميّل، فاتخذت اسرائيل ذلك ذريعة لخرق الاتفاق ودخول بيروت الغربية، وسمحت لميليشيات مسيحية بتنفيذ مجازر مخيمات صبرا وشاتيلا التي سقط فيها نحو ثلاثة الاف مدني بين فلسطيني ولبناني.

وصول الحرس الثوري الايراني الى لبنان
خلال الاجتياح الاسرائيلي، وبموافقة مباشرة من حافظ الأسد، الحليف الاستراتيجي لايران، بدأ تسرّب الحرس الثوري الايراني الى لبنان عبر الاراضي السورية بصفة داعم للمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، حاملاً معه المشروع الاستراتيجي الايراني في تصدير الثورة، وبهدف بناء قلاع سياسية وعسكرية في المنطقة تأتمر بقيادة الولي الفقيه في طهران وترسّخ نفوذه وهيمنته. بدأ الحرس الثوري بتجنيد الشبان الشيعة وجذبهم الى صفوف ما سيُعرف لاحقاً باسم “حزب الله” سواء كانوا افراداً متأثرين بثورة الخميني أو من عناصر وكوادر حركة أمل التي يرأسها نبيه بري. أسست ايران معسكرات تدريب في البقاع، وقدّمت التمويل والسلاح والتدريب والتوجيه العقائدي بمساعدة رجال الدين الذين درسوا في معاهد وحوزات قم، وأنشأت المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية لدعم مشروعها وحشد الأتباع حوله.
قويَ حزب الله كثيرا بالدعم الايراني المتواصل ووصل حجم الانفاق الى مبلغ قدّرته مصادر أميركية بنحو سبعمئة مليون دولار سنوياً ويزيد بحسب الظروف، شاملاً مختلف أنواع الاسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والرواتب والخدمات التعليمية والطبية والاجتماعية والإعلام، وتمكن من فرض نفسه قوة مؤثرة وفاعلة على الساحة الشيعية واللبنانية بطبيعة الحال.

حرب الجبل
لم يكن أمين الجميّل محظوظاً بالوصول – خلفاً لأخيه بشير – الى سدة الرئاسة في 21 ايلول / سبتمبر من عام 1983، فقد كانت ظروف لبنان السياسية والعسكرية متشابكة ومعقدة. وبوجود الجيش السوري في البقاع والشمال، والاحتلال الاسرائيلي للجنوب حتى تخوم بيروت، لم يجد الجميّل طريقة لحلحلة الأوضاع وتخفيف الضغوط القائمة، إلا باتفاق 17 ايار مع الاسرائيليين وبرعاية أميركية، وعندما قررت الحكومة الاسرائيلية سحب جيشها إلى وراء نهر الأولي عند مدينة صيدا، انفجر الوضع العسكري في الجبل بين قوات الحزب التقدمي الاشتراكي المدعومة من السوريين وفصائل فلسطينية مؤيدة لدمشق، و”القوات اللبنانية”، وأدت هذه الأحداث إلى حصول انتهاكات خطيرة، وتهجير عشرات الالوف من المسيحيين من قرى الشوف وعاليه، وانسحاب “القوات” إلى بلدة دير القمر ، بينما اضطر الجيش اللبناني إلى تشكيل خط دفاع من عاليه إلى سوق الغرب وصولا الى تخوم القصر الجمهوري في بعبدا. “حرب الجبل” عمّقت الانقسام الطائفي، ورسّخت خطوط التماس بين المناطق، وهيأت الظروف والمعطيات لانتفاضة السادس من شباط في بيروت، وعودة سوريا اليها.

حرب طرابلس
الرئيس السوري حافظ الأسد، الذي لم يعترف يوماً بالقرار الفلسطيني المستقل، دفع في عام 1983، مجموعة من القياديين في حركة فتح الى الانشقاق وتأسيس “فتح الانتفاضة”. كان في مقدمة هؤلاء القياديين أبو صالح (نمر صالح) وأبو موسى ( سعيد مراغة) وأبو خالد (موسى العملة)، وكانت طرابلس تشهد عودة موالين لياسر عرفات اليها، وتحالفهم مع حركة التوحيد الاسلامي وزعيمها الشيخ سعيد شعبان والشيخ خليل عكاوي. لم يرق الأمر لحافظ الأسد، واستفزه عودة ياسر عرفات الى المدينة متنكراً، فأمر بالقضاء على الموالين لعرفات في منطقة البقاع، فحاصرت الدبابات السورية مواقعهم وقطعت الطرق الى الجبل وبيروت. ثم أمر بحصار طرابلس بقوات تألفت من حوالي عشرة آلاف جندي سوري، وستة آلاف مقاتل فلسطيني من هذه الفصائل المؤيدة لدمشق، بالإضافة إلى عشرات الدبابات وراجمات الصواريخ، ثم أمر بقصفها بشكل متواصل وعنيف مما اوقع أعداداً هائلة من الضحايا، وحصل شبه مجاعة داخل المدينة.
الهجمات المتواصلة والقصف المستمر دفعت بعرفات الى القبول بوقف إطلاق النار والجلاء مع مقاتليه من طرابلس وكافة المناطق اللبنانية في أواخر تشرين الثاني 1983.

انتفاضة السادس من شباط
ما إن مرّت تسعة شهور على توقيع اتفاق وبرعاية أميركية بين الحكومة اللبنانية واسرائيل في السابع عشر من ايار 1983، حتى نفّذ تحالف ضمّ حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وأحزاب يسارية أخرى، انتفاضة السادس من شباط من عام 1984، فشنّوا هجوما واسعا على مراكز ونقاط الجيش اللبناني في بيروت الغربية والضاحية الجنوبية، ونجحوا في محاصرته وإخراج وحداته من هذه المناطق. الانتفاضة التي كان شعارها اسقاط سياسات الرئيس أمين الجميل، ومحاولته الاستئثار بالسلطة على حساب الطوائف الأخرى، وأيضا بسبب اتفاقه مع الاسرائيليين، أدت الى انقسام في الجيش اللبناني، ونشوء الوية بقيت على اتصال بالقيادة، ولكن لا تخضع لإمرتها، وكذلك أعادت الجيش السوري الى بيروت بعد خروجه منها في عام 1982 بفعل الاجتياح الاسرائيلي، وشدّدت من قبضة حافظ الأسد على العاصمة اللبنانية، وكرّس على الأرض سيطرة القوى الشيعية والدرزية على بيروت.

تصفية “المرابطون”
في عام 1985، وبدعم مباشر من النظام السوري، شنّت مجموعات مسلحة من حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي هجوماً على مراكز حركة الناصريين المستقلين “المرابطون” في بيروت، ومنها المركز الرئيسي واذاعة “صوت لبنان العربي” بهدف تصفية الحركة ووقف نشاطها، وإعادة رسم خارطة القوى في بيروت، واتُهمت سوريا آنذاك بإضعاف القوى السنّية وتهميش مشاركتها في الحياة السياسية.

 

انتفاضة جعجع
الاتفاق الثلاثي في عام 1985 والذي وقّعه إيلي حبيقة عن القوات اللبنانية، ونبيه بري عن حركة امل، ووليد جنبلاط عن الحزب التقدمي الاشتراكي، وبرعاية سورية مباشرة، لم يجد صداه الايجابي لدى القوى والفعاليات المسيحية، ومنها بكركي التي تمنّت على حبيقة عدم السير في الاتفاق.
وفي 31 كانون الأول 1985، نفّذ سمير جعجع وكان وقتها رئيس أركان القوات اللبنانية، تحركًا عسكريًا مفاجئًا مع قوات موالية له في شرق بيروت، فأطاح بحبيقة بعد معارك عنيفة بين الطرفين، انتهت بسيطرة جعجع على “القوات اللبنانية” والمناطق الشرقية كلها، واسقاط الاتفاق، وهروب حبيقة إلى زحلة وبعد ذلك إلى دمشق، ليبدأ مسيرة جديدة في صلب المحور السوري.

حرب المخيّمات
اندلعت مواجهات عنيفة بين حركة أمل والفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح بين العامين 1985 و1988، وتركزت في مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة. وكانت البداية عندما هاجمت مجموعات أمل المخيمات للسيطرة عليها بدعم وتوجيه من نظام حافظ الأسد لتقويض نفوذ ياسر عرفات وتصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة. حوصرت هذه المخيمات وقُصفت بعنف شديد، وسط اتهامات بارتكاب مجازر وتجويع للسكان. حاول الأسد جرّ قوى لبنانية أخرى للمشاركة في الهجمات الى جانب أمل، الا انها رفضت وقاومت الضغوط. ادت المعارك الى دمار كبير وحركة نزوح واسعة، واعلنت الحكومة اللبنانية أن عدد ضحايا حرب المخيمات بلغ حوالي 3700 قتيل بينهم 2000 فلسطيني ونحو 7000 جريح.
أوجدت هذه الحرب شرخاً بين الفلسطينيين والشيعة، وادت الشرخ الطائفي اللبناني، وعمّقت بالتالي أزمات لبنان الداخلية والصراعات المرتبطة بعوامل اقليمية فيه.

حرب الأخوة
تزايدُ نفوذ حزب الله وتصاعد قوته أدى الى حصول توتر كبير في العلاقة مع حركة أمل وضمناً بين ايران وسوريا، فاندلعت معارك دموية عنيفة في العامين 1988 و1989، كان مسرحها في الضاحية الجنوبية لبيروت واقليم التفاح والبقاع، وخلّفت مئات القتلى والجرحى، وانتهت بتوقيع اتفاق سوري ايراني في عام 1990، خفّف التوتر، ونظّم العلاقة بين الطرفين، وحصر دور أمل في اللعبة السياسية في الدولة، و “مقاومة اسرائيل” بالحزب، الذي طوّر لاحقاً وبشكل هائل قدراته العسكرية مستعيناً بالدعم الايراني من بنادق خفيفة وقاذفات صواريخ يدوية في الثمانينيات الى ترسانة كبيرة شملت صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وطائرات مسيّرة، وأنظمة اتصالات، وصولاً الى إنشاء مصانع لأنواع من الصواريخ والمسيّرات وفرض بذلك نفسه وصيّا على القرار السيادي اللبناني، واحتكر لنفسه قراري الحرب والسلم، وتدخل في معظم شؤون الدولة ومؤسساتها وخطابها وتعييناتها وحتى وصل الأمر الى توجيه العلاقة مع العرب ودول العالم بما يتناسب مع الاملاءات الايرانية.

تمرّد ميشال عون
في عام 1988، وبعد فشل مجلس النواب في انتخاب رئيس للجمهورية، ضغط قائد الجيش آنذاك ميشال عون على الرئيس أمين الجميل في نهاية عهده، فأقال حكومة الرئيس سليم الحص، وشكّل انتقالية عسكرية تألفت من ستة وزراء من مختلف الطوائف، فاستقال فورا السنّي العميد محمد نبيل قريطم، والشيعي العقيد لطفي جابر، والدرزي اللواء محمود طي أبو ضرغم، وبات عون الماروني لوحده مع الأرثوذكسي العقيد عصام أبو جمرا، والكاثوليكي العميد ادغار معلوف. ورغم ذلك، اعتمد عون على مقولة “الأمر لي” واعتبر نفسه الممثل الشرعي للسلطة اللبنانية، ومضى في خططه لحشد التأييد مستعيناً بخطاب “وطني” وشعبوي كرّر فيه الشعارات التي يُحب اللبنانيون سماعها، ثم أشعل حربين، “التحرير” ضد الجيش السوري بعدما تيقّن بأن حافظ الأسد لن يقدّم له دعماً للوصول لرئاسة الجمهورية، و”الإلغاء” ضد القوات اللبنانية التي شكّلت منافساً دائما له في قيادة المسيحيين. سقط نتيجة هذه المغامرات نحو الف شخص قتيل في شرقي وشمال بيروت وأكثر من ثلاثة الاف جريح.
في 13 تشرين الأول 1990، حلّقت طائرات حربية سورية بموافقة أميركية واسرائيلية في أجواء بيروت، ثم قصفت منطقتي اليرزة مقر وزارة الدفاع، وبعبدا حيث القصر الجمهوري ومقر حكومة عون، وبدأ الجيش السوري هجوما برّيا باتجاه المناطق المسيحية. طلب عون وقف اطلاق النار، ودعا جنود الوحدات الموالية له الى الالتحاق بقيادة العماد أميل لحود المُعيّن من الرئيس الياس الهراوي.

عناقيد الغضب
شنّت إسرائيل حرباً اسمتها “عناقيد الغضب” على لبنان في عام 1996، دامت اربعة عشر يوماً، لوقف هجمات حزب الله، فاستهدفت مراكزه وقواعده في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع وبيروت حيث قُتل ضابط سوري وسبعة جنود بغارة اسرائيلية، واستهدفت ايضا قرى وبلدات وبنى تحتية ومرافق حكومية، كما ارتكبت مجزرة مروعة في بلدة قانا الجنوبية ذهب ضحيتها أكثر من مئة مدني. توقفت العمليات العسكرية بتفاهم نيسان الذي رعته الجهود الديبلوماسية للولايات المتحدة وفرنسا، وانهى الهجمات المتبادلة عبر الحدود على أهداف مدنية، كما رسّخ قواعد اشتباك جديدة بين الحزب واسرائيل صمدت حتى حرب تموز في عام 2006. اسرائيل من جهتها اعتبرت التفاهم مدخلاً “لإحلال الهدوء والاستقرار الضروريين لدخول الأطراف المعنيين مفاوضات السلام التي هي السبيل الوحيد لإقامة السلام والاستقرار بين إسرائيل ولبنان”.

حرب تموز
في الثاني عشر من شهر تموز في عام 2006، نفّذ حزب الله عملية متخطياً الخط الأزرق، فأسرَ جنديين اسرائيليين، وقتل ثلاثة آخرين، وكان الهدف المعلن مبادلتهم بأسرى لبنانيين لدى إسرائيل، التي ردّت بعدوان واسع النطاق على لبنان، واستخدمت قوة نارية هائلة مستهدفة البنى التحتية من جسور وطرق ومحطات كهرباء وانفاق ومبانٍ سكنية وصولا الى قصف مدرجات مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت لتعطيله. سقط أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى معظمهم من المدنيين، ونزح أكثر من مليون شخص.
توقفت الحرب بعد ثلاثة وثلاثين يوماً، مع صدور القرار 1701، الذي نصّ على وقف العمليات العسكرية، وانسحاب القوات الاسرائيلية، ونشر الجيش اللبناني في مناطق جنوب نهر الليطاني، ومنع تسليح اي قوة خارج اطار الدولة، اضافة الى التذكير بتطبيق القرارات 1559 و 1680 اللذان يشيران الى سيادة الدولة اللبنانية الكاملة على اراضيها، ونزع سلاح الميليشيات.

غزوة السابع من ايار
شهدت بيروت وأجزاءً من المناطق الدرزية في جبل لبنان وخاصة في عاليه والشوف في السابع من ايار من عام 2008، اجتياحاً مسلحاً من قبل مجموعات من حزب الله مدعومة من حركة أمل والحزب السوري القومي، وفي بيروت سيطرت على مقار تيار المستقبل ومؤسساته الاعلامية، وأحرقت بعضها، رداً على قرارات اتخذتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بعزل وفيق شقير رئيس جهاز أمن المطار المقرّب من الحزب، وطلب تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب. تراجعت الحكومة عن قراراتها تحت وطأة ضغط السلاح وبرّر وزير الاعلام آنذاك غازي العريضي الخطوة بأنها ” حقنا للدماء وحفظا لأمن الوطن والسلم الأهلي ووأد الفتنة وحماية الأرواح”.
أحداث السابع من ايار، فرضت معادلة ميدانية خطيرة وهي أن السلاح ومن وراءه، هو صاحب الكلمة النهائية في الساحة السياسية، لا الدستور ولا القوانين ولا الانتخابات، وثبّتت أن السلاح هو مَنْ يقرر للبلد مساره ومصيره وخياراته وقراراته.

أحداث الطيونة
دعا حزب الله وحركة أمل في الرابع عشر من تشرين الأول من عام 2021، الى تظاهرات احتجاجية أمام قصر العدل للمطالبة بعزل القاضي طارق بيطار، المحقّق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، بعد اتهامه بتسييس التحقيق والتصرف باستنسابية في استدعاء وزراء ونواب الى التحقيق. خلفية الدعوة أتت بعد فشل مسؤول وحدة الارتباط والتتنسيق في الحزب وفيق صفا في الضغط على رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود لتغيير بيطار، قائلاً له أن القاضي بيطار مستقل في عمله ولا يمكن أن يخضع للضغوط السياسية.
حاول بعض المتظاهرين الدخول الى احياء في منطقة عين الرمانة حيث الوجود القوي للقوات اللبنانية، وقاموا بتكسير مداخل المباني فتعرّضوا لإطلاق نار ما لبث أن توسّع الى اشتباكات بين مسلحي الثنائي الشيعي والقوات اللبنانية في عدة أحياء تشكل خطوط تماس تاريخية، وخاصة منطقة الطيونة، واستمرت لساعات وعلى مرأى اللبنانيين والعالم حيث كان النقل التلفزيوني مباشراً.
كشفت هذه الاشتباكات هشاشة الوضع اللبناني، والاحتقان الكبير الذي يُعبّر عن تناقضات داخلية معقدة، وخطورة انتشار وتفلّت السلاح، واعادت إلى الأذهان صورة الحرب اللبنانية، وسط مخاوف دائمة من انزلاق لبنان مجدداً الى حرب أهلية، وصراع طائفي جديد.

الخلاصة
هذه التراكمات من الأحداث والأزمات أكدت الخلفيات الطائفية والارتباطات الاقليمية لها، ومنحت فرصة اكتشاف أن القاسم المشترك بينها كلها هو انتشار السلاح خارج إطار الدولة والقوانين، وهو واقع مؤلم وخطير، أسس بؤراً أمنية هشّة، ومناطق توتّر دائم، وشكّل تحدياً تواجهه البلاد منذ عقود، دون أن يُوضع له حلٌ جذري، مما أدى إلى تآكل الدولة وسيادتها وهيبتها وسلطتها، وتفكك قرارها وتماسكها الوطني، وحيّدت بشكل مؤسف دور الجيش اللبناني في حفظ الأمن وحماية الحدود، وضربت القواسم المشتركة التي تجمع بين مكوّنات الشعب اللبناني.
انتشار السلاح هذا، ومهما كانت مسمياتها ودواعيه، لعب دوراً بارزاً في تعطيل قرارات حكومية ونتائج انتخابات وفرض شروطاً وأنتج خللاً في التوازنات الداخلية والطائفية، ومنع تداول السلطة وأخّر انتخابات رؤساء جمهورية وتأليف حكومات. وأخطر من ذلك، فقد وصل تأثير السلاح ووهجه الى القضاء فهدد استقلاليته، وأضعف تطبيق القوانين، وعرقل التحقيقات في قضايا كثيرة، ودفع به الى العمل انتقائياً أو وقف عمله كلياّ، فغابت المحاسبة وفلَت من استقوى بالسلاح من العقاب، وفقد المواطن ثقته بهذا القضاء كضامن للعدالة وحافظٍ للحقوق.
كما إن هذا السلاح كان دائماً صاعق تفجير في حياة اللبنانيين، يشعلُ الحروب عند أي توتر داخلي أو صراع سياسي ويحوّله الى صدام عسكري وخسائر في الارواح والممتلكات، وجعل من لبنان منصة مستباحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولة عاجزة لا حول لها ولا قوة.
وعرّض هذا السلاح أمن لبنان وكيانه واستقراره الى الانهيار، وساهم عبر عقود في افشال الاقتصاد، وتعطيل السياحة، وتوقيف عجلة الانتاج والعمل، وزاد من هجرة الشباب والعائلات، وانخفض النمو الى ارقام دنيا، وتحوّل لبنان من بلد الدور والوظيفة وجاذب الاستثمارات ومحور السياحة كما كان في ستينيات القرن الماضي، الى دولة منهارة، ترتيبها في أسفل المؤشرات بأنواعها، وفي جميع المجالات المالية والاقتصادية والاجتماعية.
لذلك، فإن أي مشروع انقاذي عبر اصلاحات ادارية أو مالية أو حتى في مضمون النظام السياسي اللبناني نفسه كما يطالب البعض، سيبقى هشّاً ومؤقتاً وقابلاً للتفكك أو الانفجار، ما لم يُجمع اللبنانيون بكل طوائفهم وانتماءاتهم السياسية على معالجة مسألة السلاح خارج السلطة ووفق الدستور والقوانين والقرارات الدولية وفي مقدمتها القرارين 1701 و1559. حصر السلاح بالدولة ومؤسساتها الأمنية وبسط السيادة على كامل الاراضي اللبنانية، هو المدماك الأول لقيام دولة السيادة والعدالة والاستقرار التي تستعيد ثقة الشعب وتوحد افراده ومجتمعاته حول نفس الحقوق والواجبات دون تمييز أو استثناء، وكذلك تستعيد ثقة الدول العربية والمجتمع الدولي والمؤسسات العالمية، وتستطيع أن تنطلق في خطط ومشاريع اقتصادية وتنموية، وتجذب الاستثمارات، وتشجع العقول ورؤوس الأموال المهاجرة الى العودة الى بلادها للمساهمة في تحقيق النمو والتقدم.

شاركها.