عارف العبد
يعتبر العديد من الأطراف السياسية، وهم على حق، أن لحظة توقيع لبنان على اتفاق القاهرة أيام الرئيس شارل الحلو، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1969، في العاصمة المصرية، لغرض السماح ومحاولة تنظيم العمل والوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، هي لحظة بداية انهيار سلطة الدولة اللبنانية، وذلك حين قام الرئيس حلو بإرسال وفد لبناني برئاسة قائد الجيش آنذاك إميل البستاني، وهو الطامح بمقعد رئاسة الجمهورية، إلى القاهرة للتفاوض مع ياسر عرفات وتحت إشراف وزير الدفاع المصري محمد فوزي، ووزير الخارجية المصري محمود رياض، ومن فوقهم الرئيس جمال عبد الناصر وموافقة ورضى أغلب القادة العرب.
هذه اللحظة، كما تأكد فيما بعد، كانت لحظة تنازل لبنان عن سيادته وسلطته لمصلحة المنظمات والقوى الفلسطينية المسلحة. وهي اللحظة التي مكنت ياسر عرفات من أن يصبح الرئيس الثاني للجمهورية، والحاكم ربما الفعلي والعملي للبنان، من موقعه الذي كان يشغله في الطريق الجديدة وحي الفاكهاني تحديداً.
هذا التطور أو التنازل، هو ما مهد الطريق عملياً لانفجار الحرب الأهلية، بعد تصاعد حدة الاعتراض المسيحي على هذا التجاوز الكبير، أو الخرق والانتهاك الفاضح لمبدأ سيادة الدولة اللبنانية على أرضها، وبرضاها وموافقتها، في التخلي عن جزء من سيادتها وترابها وسلطتها.
منذ ذلك اليوم، وما تلاه وتبعه، فإن جوهر الجدل والمحاججة السياسية التي تجددت منذ أكثر ثلاثة عقود حتى الآن في لبنان، تدور حول موضوع سلاح حزب الله الذي حل مكان سلاح المقاومة الفلسطينية، بمنظماتها المتفرعة والمختلفة، والتي أقلقت لبنان ودمرت بنيانه، ومنعته من التحول إلى دولة أو شبه دولة، لها سلطة على أرضها.
ثبت بما لا يقبل الشك، أن الحصيلة السياسية والإعلامية والمعرفية والخطابية اللبنانية، بالتقاطع مع موجات التدخل والاهتمام الدولي، تركزت حول نقطة واحدة وهي انتهاء مبرر ودور سلاح حزب الله الإقليمي.
حصيلة الخطاب السياسي “اللبنانوي”، والذي قادته أحزاب الجبهة اللبنانية في فترة السبعينيات تمحور حول دور سلاح المنظمات الفلسطينية التي دمرت سلطة وهيبة الدولة، وحولتها إلى سراب متبخر وكاريكاتير واهن لا قوة ولا حضور أو معنى له.
أغلبية المواقف النيابية والسياسية المحلية، والتي ظهرت خلال الأيام الماضية، من على منبر مجلس النواب لدى أغلبية النواب والقوى السياسية، انحصرت في نقطة واحدة ووحيدة، وهي ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهي الشعار أو الوجه الآخر، لمطلب رفض أي دور مستقبلي لسلاح حزب الله ورفض أي بقاء له كالسابق.
قالها الموفد الرئاسي الأميركي، طوم باراك بجملة واحدة مكثفة ورمزية حين اعتبر أن السلاح الذي نهتم به لدى حزب الله هو السلاح الذي يهدد إسرائيل وأمن إسرائيل.
المكابرة اللبنانية الفلسطينية، انتهت مع تنفيذ إسرائيل لغزوها لبنان بداية حزيران من العام 1982. حيث تبين أن السلاح الفلسطيني لم يتمكن من الصمود والوقوف في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية لساعة واحدة، في أي مكان في الأرض المستباحة من الجنوب حتى بيروت.
كان ياسر عرفات يصور للرأي العام، ويروج أن قواته في لبنان قادرة على الوقوف في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية، وإيقافها ومواجهتها بل وإحباطها ومنعها.
تجربة الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، بينت أن القوى الفلسطينية العسكرية كانت عبارة عن أشكال ورقية وكرتونية، وغير قادرة على لعب أي دور عسكري. إذ تمكنت إسرائيل بظرف ساعات من إزاحة وتجاوز كل القوى العسكرية الفلسطينية، وطردها من قرى الجنوب وصولاً إلى بيروت، التي تحولت إلى علبة سردين كبيرة محشوة بالناس والمسلحين الفلسطينيين.
في العام 1982، تم اكتشاف الكثير بل العديد من الاختراقات الأمنية الإسرائيلية في جسم المقاومة الفلسطينية. وتبين أن إسرائيل تعرف عنهم أكثر مما يعرفون عن أنفسهم، وأن الجواسيس صناعة إسرائيل (قبل تقنية الخليوي والداتا ديجيتل والبيجر والوكي توكي والذكاء الاصطناعي) قد عملت عملها في صفوف المنظمات الفلسطينية.
وقد ظهر أكثر من “أبو الريش” كجاسوس هنا أو هناك، في بيروت وصيدا وأغلب مناطق لبنان.
لقد اخترقت إسرائيل يومها كل أجهزة المقاومة الفلسطينية، ونخرتها وعرتها.
كان قرار ياسر عرفات بعد انهيار جمهوريته، المصطنعة والمفتعلة، الرحيل عن لبنان وفك كل عدته وماكينته العسكرية في لبنان والرحيل إلى تونس. فقد فهم الرسالة الواضحة والحصيلة التي وصل إليها. وهي سقوط دور ومعنى السلاح الفلسطيني في لبنان والمنطقة.
ليس هذا الكلام مقدمة لمطالبة قادة حزب الله بتكرار الدور الذي قام به عرفات في لبنان نهاية معركة 1982، بل المطلوب وقف المكابرة وحالة الإنكار، والاقتناع أن دور سلاح حزب الله الإقليمي قد انتهى في هذه المرحلة، كما سبق أن انتهى دور وفاعلية السلاح الفلسطيني آنذاك، خصوصاً مع هذا التفوق التكنولوجي الاسرائيلي الهائل والكبير.
من أجل تخفيف الخسائر والويلات والمصائب وعدم تكرار التجارب، التي قد تكون مرة وقاسية، فإن حصيلة المواجهة الأخيرة التي اندلعت مع انطلاق طوفان الأقصى، وصولاً إلى اليوم، مفادها أن دور وفاعلية سلاح حزب الله الإقليمي قد انتهى وأفل وانتفى مبرره وفاعليته.
هذا الكلام ليس دعوة للاستسلام، ولا يعني هذا الكلام أن المقاومة في لبنان يجب أن تتوقف وتنهزم وتعتزل وتختفي!
ما يجري في لبنان وفي سوريا، يؤكد حقيقة أن “المقاومة” يجب أن تبقى وتستمر، لأنها حاجة أكثر من ضرورية، مع توسع وتمدد التغول الاسرائيلي الحالي.
المقاومة ليست بحاجة لاذن مسبق أو موافقة من أحد، يجب أن تُخترع ويعاد استيلادها، لكن ليس بهذا السلاح الذي تغيرت مهامه أكثر من مرة، و فشل في مهمته الأساسية وألغى نفسه ومبرره، ولا يزال حزب الله يتمسك به اليوم.
