شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

نبيل الحلبي
للإجابة على هذا السؤال علينا العودة إلى زيارة الرئيس احمد الشرع إلى دولة الإمارات، الذي تبعها بزيارة رسمية إلى أذربيجان. حيث ابلغت القيادة السورية البلدين عدم موافقتها على المطالب الاسرائيلية بإقامة منطقة منزوعة السلاح في القنيطرة و السويداء، وأنها ملتزمة كدولة سورية بخط وقف إطلاق النار المفروض بموجب اتفاقية فك الاشتباك في ايار ١٩٧٤ التي رعتها الامم المتحدة
أبقى الرئيس الشرع قنوات الاتصال مفتوحة عبر البلدين، متوجاً العلاقات باتفاقيات اقتصادية ثنائية معهما، الأولى تلزيم مجموعة موانئ دبيّ العالمية تطوير وتشغيل ميناء طرطوس كإمتياز لمدة ٣٠ عاماً، والثانية اتفاقية مع شركة «سوكار» الآذرية لتوريد الغاز الطبيعي إلى سوريا.
بعد عودة الرئيس الشرع من باكو بساعات، اندلعت مواجهات بين مواطنين من العشائر وفصائل تابعة لحكمت الهجري، سرعان ما بدأت تأخذ طابعاً طائفياً، وانتهاكات لحقت بالمدنيين من كلا الطرفين.
ناشدت اطراف داخل مدينة السويداء الحكومة المركزية للتدخل لوقف القتال ونشر القوى الأمنية في انحاء المحافظة.
استجابت الحكومة السورية ودخلت قواتها الى المحافظة حيث كمنت لها ميليشيا الهجري داخل الاحياء وعلى اطراف المدينة، واستطاعت قتل العشرات من العناصر الحكومية، وأسر العديد منهم الذي جرى تصفيتهم تباعاً والتمثيل بجثثهم، كما ظهر في الفيديوهات التي نشرتها مجموعات الهجري وتداولتها صفحات مواقع التواصل الإجتماعي.
رغم الفظاعات التي قامت بها ميليشيا الهجري بحق الأسرى من عناصر الجيش والامن العام. كان وقع فيديوهات يظهر فيها عناصر حكومية تقوم بإهانة مشايخ دروز أثراً بالغاً على الرأي العام في كل مكان. ذلك أن الادارة الإعلامية المعارضة للحكومة السورية كانت اكثر فعالية من الادارة الإعلامية الرسمية التي تأخرت في نشر خبر توقيف العناصر الغير منضبطة التي ارتكبت هذه الانتهاكات، ولم تفضح في الوقت ذاته جرائم الطرف الاخر، وكانت بطيئة بالرد على حملات التضليل التي ساقها معارضون للإدارة السورية اضافةً إلى جماعات المحور الإيراني الذي اراد استغلال الاحداث للتشفي.
مع الأسف كان توقيت دخول القوات الحكومية الى السويداء غير مدروس، وناتج عن خطوة مرتجلة حسنة النية للاستجابة السريعة لوقف الاحداث الدامية التي قد تنزلق في اكثر من مكان، لا سيما في ريف دمشق، وربما شجعها تصريح توم باراك ايضاً، الذي عبّر فيه عن استحالة قيام دويلات طائفية او قومية في سوريا.
لكن في الوقت نفسه غاب عن القيادة السورية عوامل عديدة بغاية الأهمية منها:
١- أنّ الطرفين المتقاتلين(العشائر وقوات الهجري) كانا تربطهما علاقة وثيقة بماهر الأسد، على الاقل فيما خص الهجري الذي لا زال يدير هو وابنه تجارة المخدرات والكبتاغون في المحافظة، والتي تشكّل مورداً مالياً لتمويل ميليشياته التي يتزعمها قادة عسكريون من فلول النظام المخلوع، والذين لا يزالون على تواصل مع ماهر الأسد. مما يعني أن توقيت هذا الاقتتال الداخلي “ربما شرارته لم تكن بريئة”، وكانت تهدف لاستجرار عملية عسكرية اكبر تنتظرها اسرائيل.
٢- تصريح نتنياهو قبل يوم واحد من الاحداث، والذي أكدّ من خلاله مجدداً على المطلب الإسرائيلي بمنطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري.
٣- توقيت الاحداث مع بدء جلسات محاكمة نتنياهو بتهم الفساد التي كانت ستقوده حتماً إلى السجن وانهيار حكومته، وكان للتدخل العسكري الاسرائيلي سبباً لتعطيل جلسة المحكمة العليا.
٤- على الرغم من تأييد معظم فلسطينيي اراضي ١٩٤٨ للأحزاب اليسارية الاسرائيلية “ضمن معادلة تأييد اقل الشريّن لمواجهات السياسات الإسرائيلية المتطرفة”، إلّا أن غالبية الدروز هناك يؤيدون حزب الليكود الذي يقوده رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهؤلاء شكلوا ضغطاً منتظراً على نتنياهو وحكومته المتطرفة للتدخل العسكري الإسرائيلي ضد الدولة السورية “إنقاذاً للدروز وحماية لهم”.
وبالتالي، واستناداً لكل هذه العوامل السالفة الذكر، لا يمكن تصور عدم تدخل اسرائيل بالشكل الذي رأيناه يوم امس.
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه اليوم، ماذا بعد ؟
بعد اتفاقية سحب القوات الحكومية السورية ونشر قوات الامن في السويداء، ووقف الغارات الاسرائيلية، بعد مساعٍ اميركية وسعودية وتركية. وقع حدثان خطيران قد يجرّان المنطقة إلى مواجهة اقليمية اكبر من سوريا، والى انزياحات سكانية بالغة الخطورة في اكثر من مكان، وبطلها الهجري مجدداً الذي أعلن تواصله مع الاسرائيليين بشكل علني هذه المرة دون حرج. حيث دعا لتأمين معبر حدودي مع الأردن، وفتح طريق مع قوات قسد شرقي الفرات، فيما يعرف إسرائيلياً بممر داوود.
أما الحدث الثاني كان في استغلال ميليشيا الهجري للغطاء الجوي الإسرائيلي، ولإنسحاب القوات الحكومية، لتقوم بحملة تطهير عرقي ومجازر مروعة ضد العشائر العربية في الجبل.
صحيح أنّ الهجري لا يمثل الوجدان العربي الدرزي العام في محافظة السويداء. وأن معارضيه الدروز وغالبية السوريين ينظرون إليه كشخصية Narcissistic traitor لكنّ ثلاثة عوامل اعطته القوة للإستمرار في سلوكه.
١- الانتهاكات التي قامت بها عناصر حكومية بحق مشايخ من الدروز، والتي أحدثت سخطاً واسعاً عند جميع الدروز وتضامناً ضد الحكومة.
٢- التدخل العسكري الاسرائيلي الجوي.
٣- عدم وجود نية درزية وطنية بالتخلص من الهجري ومسلحيه. فالدروز مهما بلغت خلافاتهم واختلافاتهم لا يقتتلون..
شاركها.