طارق الحجيري
في زحمة الخرائط الممزقة والحدود التي يعاد رسمها بالبارود والنار، ومع كل الدم النازف والأشلاء الممزَّقة، تبقى سوريا واحدةً من أكثر البلدان عرضةً لمحاولات القوى الدولية والإقليمية لاقتلاع هويتها وتقسيم جسدها وخارطتها، لكنها رغم ذلك، رغم كل الجراح لا تزال تقاوم وستبقى.
منذ العام 2011 دخلت سوريا في نفق طويل من الحرب، بعد جرائم النظام البائد على مدار 40 سنة، تعدّدت فيها الجبهات وتداخلت فيه الأيادي القذرة. القوى الكبرى توزعت على رقعتها كما توزعت الفصائل المسلّحة، على مناطق نفوذها، وفي ظل صراعات ومعارك النفوذ الأميركي الروسي الإيران والتركي، فوق ترابها. بقي الشعب السوري مشرّداً موزعًا بين المنافي والمخيمات، أو محاصرًا بين خطوط النار. يجرجر عذاباته ويلوك ألامه بانتظار النور في أخر نفق الديكتاتورية البغيصة.
رغم كل تلك الصراعات، لم تنجح مشاريع التقسيم. ومع سقوط نطام الاجرام البعثي، لم ينفصل شرق الفرات، ولا إدلب أصبحت كيانًا لداعش، حتى الكرد الذين رفعوا شعار الفدرالية أدركوا أن مصيرهم لن يكون أفضل خارج سوريا الواحدة. فالتجارب من حولهم علّمتهم أن الكيانات الوليدة دون عمق وطني تصبح لقمة سائغة في فم القوى الطامعة.
سوريا، رغم كل الخراب، لم تسقط في امتحان الهوية. لا تزال دمشق عاصمة الأمويين حاضرة في الوجدان العربي، وحمص العديَّة لم تخرج من ذاكرة السوريين، والشهباء حلب تعيد ترميم ما هدمه الاجرام الأسدي، ودرعا لا تزال بلابلها تصدح وتُغني حربةً للثورة الأولى. فيما جبل الدروز العرب، جبل سلطان باشا الأطرش سيبقى سوريًا عربيًا شاء هذا العميل الهجري أم أبى ذاك البوق المرتزق.
مشروع التقسيم لم يكن وليد مرحلة ما بعد البعث، بل هو امتداد لخريطة سايكس – بيكو، ولطموحات الصهيونية منذ بن غوريون بتفتيت الدول العربية، حول كيانه الوليد، لكن رغم الفتن الاسرائيلية ورغم كل الخدمات الإيرانية لها، اصطدما سويُا مرارًا وتكرارًا بعقيدة راسخة في وعي السوريين: أن سوريا ليست مجموعة طوائف ولا فسيفساء إثنيات، بل هي وطن واحد متعدد، ينهض بوحدته، ويسقط إذا تفتت.
بعد كلّ ما جرى، وخاصة في السويداء، لن تكون الطريق سهلة، فالجراح أغارت في الوجدان السوري، والندوب عميقة في جسده والخراب كبير في بناه التحتيّة، لكن التاريخ علّمنا أن الأوطان التي تُولد من رحم الحديد النار تخرج أقوى. فالشعب السوري الذي واجه نظامّا مجرمّا، واحتلالًا اسرائيليًا كريها، قادر على استعادة دوره ومكانته وبناء غده الآمن المشرق رغم كل المعوّقات.
في لحظة إقليمية صعبة تغلي بالتغيّرات، ومع تنامي العلاقات العربية مع دمشق، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة بناء سوريا على أساس المواطنة الكاملة، لا المحاصصة الطائفية بين أكثرية وأقلية، على قاعدة الوحدة والجمع لا التفكيك والتفريق. فالدروس كثيرة، والعبر واضحة: لا وطن بلا وحدة، ولا كرامة لأيّ مُكوِن في ظل الانقسام.
سوريا ستبقى موَّحدة. لأنها ببساطة، لا تعرف كيف تكون غير ذلك. ستبقى واحدة موّحدة ولو كره الحاقدون الكارهون.
