مهدي رضا
تتصاعد وتيرة القمع في السجون الإيرانية مع محاولة فاشلة وخطرة لاختطاف أحد رموز المقاومة والإرادة الصلبة في وجه الدكتاتورية الدينية، السجين السياسي سعيد ماسوري. ففي مشهد ينذر بجولة أشد عنفاً من الإرهاب الرسمي الممنهج، اقتحم عناصر النظام الإيراني عنبر السجناء السياسيين في سجن قزلحصار دون أي سند قانوني، بهدف نقل ماسوري إلى مكان مجهول. لولا وقوف زملائه النزلاء بحزم وشجاعة، لكان المصير المجهول قد ابتلع هذا المناضل الذي قضى ربع قرن في سجون النظام.
سعيد ماسوري: ربع قرن من الصمود في وجه القمع
لم يكن هجوم الجلادين على عنبر السجناء حدثاً منفصلاً، بل جاء بعد سلسلة تهديدات متكررة تعرض لها ماسوري من عملاء وزارة المخابرات في الأسابيع الماضية. اعتقاله عام 2000 والحكم عليه أولاً بالإعدام، ثم بالسجن المؤبد بتهمة التعاون مع منظمة مجاهدي خلق، لم يكونا سوى بداية رحلة طويلة من التعذيب الجسدي والنفسي والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية. لكن على الرغم من كل ذلك لم يرضخ سعيد ماسوري يوماً، بل ظل يقود الاحتجاجات والإضرابات عن الطعام من قلب الزنازين ويدافع عن كرامة من بقي خلف القضبان.
ليس غريباً أن يجعل النظام من ماسوري هدفاً رئيسياً؛ فهو عنوان للإرادة التي لا تنكسر، ويصر النظام على اجتثاث كل صوت يذكّر الإيرانيين بأن المقاومة ممكنة وأن الاستسلام للجلاد ليس قدراً مفروضاً.
خلف العنف ستار للتصعيد الشامل
محاولة نقل ماسوري قسرياً تتزامن مع حصار أمني مشدد وانتشار قوات خاصة داخل السجن، في أجواء تنذر بموجة قمع جديدة قد تطال كثيرين. ينتمي هذا التصعيد إلى سياق أوسع: في ظل أزمات النظام الخارجية والداخلية، يجد خامنئي في تسعير الإرهاب داخل السجون “حلاً” لترهيب المعارضة، وإظهار العين الحمراء لشعب يزداد احتقانه يوماً بعد يوم. ومع تصاعد خطر تنفيذ أحكام الإعدام الوشيكة بحق سجناء بارزين مثل بهروز إحساني ومهدي حسني وأبو الحسن منتظر، يخشى نشطاء حقوق الإنسان أن تكون محاولة اختطاف ماسوري مقدمة لجرائم تغييب قسري وإعدامات سرية في زمن حرب يُراد له أن يشغل الرأي العام عن جرائم النظام.
صرخة عاجلة من أجل الإنسانية
أصداء ما يجري في عنابر سجون إيران تجاوزت الحدود: منظمات حقوقية محلية وعالمية، المقررون الخاصون بالأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، جميعهم أكدوا أن حياة سعيد ماسوري خط أحمر وأن أي ضرر يلحق به هو جريمة قتل خارج نطاق القانون ومسؤوليتها تقع بالكامل على رأس هرم السلطة ومنفذي أوامرها. واقع الأمر أن السكوت الدولي أمام عمليات انتقام كهذه لن يكون سوى تواطؤ، وسيمنح الجناة ضوءاً أخضر للاستمرار.
ما جرى مع سعيد ماسوري هو نموذج لصورة أوسع من انتهاك العدالة والكرامة وحقوق الإنسان في إيران اليوم. هذه الممارسات ليست حالات فردية، بل أسلوب حكم يحترف الرعب وينشر اليأس، لكن إرادة المقاومة في السجون وأصوات الأسر الثكلى والمعارضين على امتداد البلاد تشكل طليعة موجة تغيير لا يمكن للنظام قمعها مهما استعر إرهابه.
العالم أمام مسؤولياته
اليوم، الوقت ينفد، ونداء الضحايا يعلو فوق جدران السجون: الصمت تواطؤ. على المجتمع الدولي أن يتحول من بيانات الشجب إلى فرض الإجراءات العملية—تسليط الضوء على الجرائم، فرض العقوبات المحددة، رفع ملف القمع إلى المحافل الدولية العليا، وضمان بقاء مأساة أمثال سعيد ماسوري حاضرة في ضمير العالم. حياة السجناء السياسيين ليست مجرد أرقام في تقارير حقوقية، بل امتحان أخلاقي للإنسانية بأسرها.
