شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

هيثم الطعيمي

 

 

مشهد حضور رئيس الحكومة نواف سلام إلى جانب مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، وعدد من الشخصيات السنّية البارزة، افتتاح المجمّع الإسلامي للنائب والوزير السابق حسن مراد، أكثر من مجرد مناسبة رسمية.
في محافظة البقاع كثر النقاش في الأروقة السياسية والشعبية، وبين صفحات الإعلام المحلي، حول معضلة التمثيل والفراغ السياسي، خاصة مع اقتراب انتخابات 2026.
يتركز النقاش بشكل خاص على المقعد السنّي في دائرة زحلة، في البقاع الأوسط، حيث يُشكل السنّة الكتلة الناخبة الأكبر عددًا فيها (في دائرة زحلة – البقاع الأوسط، يُقدّر عدد الناخبين السنّة بحوالي 57 ألف ناخب من أصل نحو 192 ألف ناخب، أي ما يعادل حوالي 30% من مجمل الكتلة الناخبة، ما يجعلهم الشريحة الأكبر عددًا في الدائرة. ومع ذلك، لا يُخصص لهم سوى مقعد نيابي واحد من أصل سبعة).
في انتخابات 2022 في البقاع الأوسط، ظهر الصوت السنّي ممزقًا وتابعًا للوائح غير سنّية، دون أن يتمكن من فرض تمثيل مستقل أو موحّد. لقد كان صوتًا حاسمًا في نتائج اللوائح، لكنه بلا استقلالية فعلية، فخدم انتصارات الآخرين دون أن يصنع حضورًا ذاتيًا في المعادلة النيابية.
” الكلّ يردّد: “إذا عاد الرئيس سعد الحريري إلى المعركة، يُحسم المقعد فورًا

الكل يردّد هذه العبارة، ولا شكّ أن الرئيس الحريري لا يزال يتمتع بشعبية واسعة وارتباط عاطفي كبير، خصوصًا في البقاع، حيث لا تزال صورته حاضرة في وجدان كثيرين، والكثير من الأشخاص تفتح لهم البيوت في البقاع لارتباط اسمهم باسم الرئيس سعد الحريري
ويقولون لو زار الرئيس سعد الحريري البقاع اليوم، كما فعل رئيس الحكومة نواف سلام، لخرجت الجماهير لاستقباله بالآلاف، ولأستقبل “الزعيم الغائب كما يُستقبل الغائب المنتظر”.
لكن هل العاطفة تكفي؟ هل المطلوب أن نعيش في حالة انتظار دائم لـ “عودة الزعيم وهل تبني طائفة استراتيجيتها السياسية على احتمال عودة زعيم، أم على بناء مؤسسات؟
أزمة التمثيل والوعي السياسي
الواقع أعمق من مشهد الاستقبال. فالجمهور السنّي يعيش أزمة تمثيل ووعي سياسي في آن. كثيرون ينجرفون خلف زعامات بدون مساءلة، وينسجون آمالهم على أسماء تفتقر إلى مشروع واضح أو رؤية مؤسساتية جامعة. الولاء لا يعني البديل، والعاطفة لا تصنع سياسة. الشارع السنّي بات ساحة مفتوحة على تنافسات فردية وتحالفات ظرفية، غالبًا دون مشروع واضح.
غياب البديل: الفراغ المفروض لا المتروك
قد يعترض البعض قائلًا: “لقد غاب الرئيس سعد الحريري منذ سنوات، فلماذا لم يظهر بديل؟” والجواب أن الفراغ لم يُترك للناس حتى يملأوه، بل مُلئ منذ البداية بأشخاص فُرضوا من فوق، ولم يخرجوا من خيارات الناس. لقد مثّلت تدخلات (ناطقي باسم التيار) في التعيينات والانتخابات نموذجًا لإدارة سياسية تقوم على شبكات الولاء والمصالح، لا على إنتاج قيادات بديلة تعبّر عن الناس.
فكيف يُنتظر أن ينهض شارعٌ حُرم أصلًا من حقه في فرز ممثليه؟ من يزرع الوهم على مدى عقدٍ كامل، لا يمكنه أن يطلب حصاد القمح في موسمٍ واحد. الأزمة إذًا ليست في غياب الزعيم وحده، بل في النهج الذي عطّل التراكم السياسي، وأقصى الكفاءات، وألغى إمكان نشوء بدائل حقيقية. إنها أزمة مشروع، لا مجرد غياب شخص.
دار الفتوى: مرجعية دينية تتراجع
حتى دار الفتوى، المرجعية الدينية الأرفع لدى الطائفة السنّية، لم تكن بمنأى عن حالة التراجع في الحضور والدور الوطني. فالمفتي المنتخب منذ عام 2014، لم يزر البقاع إلا نادرا بمعدل زيارة واحدة كل عدة سنوات وزياراته لم تخرج عن إطار المجاملات البروتوكولية، دون أن تترافق مع متابعة ميدانية أو مبادرات رعوية مستمرة.
حضوره الأخير في افتتاح مجمع حسن مراد شكّل محطة لافتة أعادت تسليط الضوء على غيابه السابق، وأثارت ردود فعل متعددة، عبّر بعضها عن مفاجأة. هذا التوصيف، على قسوته، يكشف مدى الفراغ الذي وصلت إليه المرجعية السنّية، سياسيًا ودينيًا.
الطائفة السنّية اليوم بلا زعامة سياسية فاعلة، ولا مرجعية دينية مبادرة. إنها أزمة فراغ مركّب، لا يملؤه الحنين إلى الغائب، ولا الصمت البروتوكولي للحاضر..
الحاجة إلى مرجعية وطنية مسؤولة
لا يمكن للطائفة أن تبقى رهينة زعيم غائب خارج البلاد، ولا مفتٍ حاضرٍ شكليًا، غائب فعليًا عن هموم الناس، تغيب عنه المبادرة، وتُغلق أبواب دار الفتوى أمام المواطنين حتى في الأعياد. المرجعية الدينية ينبغي أن تكون الأقرب إلى الناس، لا أن يصعب الوصول إليها أو يُستعاض عنها بالرمزية بدل الحضور الحقيقي. كما لا يجوز أن تتقاذفها الزعامات السياسية من دون مشروع جامع أو رؤية وطنية موحدة.
الواجب اليوم هو بناء مرجعية وطنية مسؤولة، مؤسساتية، ناضجة. فإن عاد الرئيس الحريري، فليجد أمامه أرضًا سياسية صلبة، لا ساحة مفككة. وإن لم يعد، نكون قد بادرنا فعليًا إلى حماية الطائفة من التشتت، ومهّدنا لحقبة جديدة من الحضور السنّي الفاعل، لا في الهامش.
ماذا لو لم يعد الرئيس الحريري؟
هذا الاحتمال، الذي يبدو حتى الآن الأقرب إلى الواقع، يُعيد فتح الملف المزمن: غياب المرجعية السياسية الواضحة للطائفة السنّية منذ انسحاب الحريري، وتحوّل الشارع السنّي إلى ساحة مفتوحة على التنافسات الفردية، والتحالفات البراغماتية، والصراعات الشخصية التي تفتقد إلى الرؤية أو المشروع.
من التاريخ: عمر بن الخطاب وفكرة الدولة لا الفرد
في هذا السياق، تحضر روايةٌ شهيرة من سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، حين لاحظ أن أحد عمّاله كان يسند مختلف المسؤوليات إلى شخص واحد. استدعاه عمر وسأله: “إذا مات، ماذا تفعل؟” في إشارةٍ ذكية إلى أن الاعتماد على شخصٍ لا يصنع دولة، وأن الإدارة الرشيدة تقوم على المؤسسات لا الأفراد.
وهذا تمامًا ما وقع فيه الحريري، حين بنى مشروعه السياسي على شبكة من الأفراد، لا على بنية مؤسسية أو فكر جماعي منضبط. فحين انسحب، لم يترك خلفه تيارًا سياسيًا بالمعنى البنيوي أو الحزبي، بل “ماكينة انتخابية” سُمّيت “تيار المستقبل”، مرتبطة بمصالح أشخاص لهم تسميات وظيفية، كانت تتحرك وقت المعركة الانتخابية، وتُدار بمنطق الولاء والمصلحة لا المؤسسة.
لا ننتظر “الغائب”… نعمل على أساس الغياب
المطلوب اليوم ليس البحث عن بديل للحريري، بل إعادة إنتاج المرجعية السنّية عبر مشروع سياسي وطني واضح المعالم، لا يرتبط بشخص، ولا ينحصر في حسابات ضيقة.
شخصيات مثل فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي ونواف سلام تملك حضورًا دوليًا أو سياسيًا، لكنها لم تنجح بعد في ملء الفراغ الداخلي، لأسباب تتعلق إما بخياراتهم، أو بغياب الحاضنة الشعبية، أو بافتقادهم إلى الآليات التنظيمية التي تُحوّلهم من أسماء إلى مرجعية.
الدرس من قصة عمر: لا نبني على احتمالات. لا ننتظر عودة الزعيم، بل نتصرف على أساس غيابه، ونعيد تكوين القرار السياسي السنّي على قاعدة جديدة.
فالسياسة لا تُبنى على احتمالات، بل على واقع. فإن عاد، فسيجد أمامه حراكا سياسيا ناضجا، لا فراغًا سياسيًا قاتلًا مؤسسات، وإن غاب، نكون قد بدأنا زمن الفعل بدل التعلّق بالوهم ونكون حمينا الذات الجماعية من الوقوع في اليُتم السياسي.

شاركها.