شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

د.عادل ديماسي

رغم أن حركة أمل وحزب الله يُعتبران الحليفين الشيعيين الأساسيين في الساحة اللبنانية، فإن علاقتهما لم تخلُ يوماً من التوترات والتناقضات التي تجعل من وصف “الأخوة الأعداء” تعبيراً دقيقاً يعكس طبيعة هذا الارتباط المعقّد. فعلى مدى العقود الماضية، تراوحت العلاقة بين الطرفين بين التحالف الظاهري والتنافس الخفي، وبين التنسيق الاستراتيجي والصراع على النفوذ داخل الطائفة الشيعية وفي الدولة اللبنانية ككل.

تأسست حركة أمل في سبعينيات القرن الماضي على يد الإمام موسى الصدر كحركة سياسية واجتماعية تدافع عن حقوق الشيعة في لبنان، وتركز على العمل المؤسساتي والاندماج في الدولة. وبعد غياب الصدر، تولى نبيه بري قيادة الحركة، ونجح في تثبيتها لاعباً أساسياً في الساحة السياسية اللبنانية، خصوصاً بعد نهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، حيث تبوأ بري رئاسة مجلس النواب منذ عام 1992 وحتى اليوم.

في المقابل، نشأ حزب الله في الثمانينيات كرد فعل على الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وبمساعدة مباشرة من إيران والحرس الثوري الإيراني. حمل الحزب منذ تأسيسه شعار “المقاومة الإسلامية”، وتميّز بطابعه العقائدي المتشدّد، وارتبط إقليمياً بمحور طهران – دمشق، ما جعله لاعباً مؤثراً يتجاوز الإطار اللبناني الداخلي.

العلاقة بين الحزبين لم تكن يوماً سلسة بالكامل. بل شهدت في أواخر الثمانينيات حرباً دامية بينهما في الجنوب والضاحية والبقاع، ذهب ضحيتها مئات المقاتلين من الطرفين. هذه المواجهة كانت تعبيراً عن صراع جذري على تمثيل الشيعة وقيادتهم، وهي لم تُحسم بالكامل رغم التفاهمات السياسية التي جاءت لاحقاً، خصوصاً بعد عام 2005، حين تعرّض الحزب لضغوط داخلية وخارجية جعلته بحاجة إلى غطاء سياسي داخلي، وجعلت بري شريكاً أساسياً في الدفاع عن سلاح المقاومة في المؤسسات.

رغم تحالفهما في البرلمان والحكومة والانتخابات البلدية، فإن مظاهر التنافس لم تختفِ. وفي مناطق النفوذ المشترك، مثل الجنوب والضاحية والبقاع، تظهر بوضوح علامات الصراع على الزعامة والتمثيل والخدمات. الحزب يقدّم نفسه باعتباره رأس حربة مشروع “المقاومة”، بينما ترى حركة أمل نفسها ممثلاً شرعياً للشيعة داخل مؤسسات الدولة، وتحرص على إبقاء دورها السياسي مستقلاً عن الأجندة الإقليمية التي يحملها حزب الله.

وفي مشهد يعكس عمق التوترات والاحتقان داخل صفوف جماهير الطائفة الشيعية، شهدت الضاحية الجنوبية خلال مراسم إحياء عاشوراء موقفًا مثيرًا، حيث قام شبان محسوبون على حزب الله بإطلاق هتافات “لبّيك يا نصر الله” بشكل متكرر. هذا الأمر قابلته مجموعة من الشبان المنتمين لحركة أمل بالرفض، مما أدى إلى تصاعد التوتر في المكان وتهديده بالانزلاق إلى صدام مباشر. وسط هذه الأجواء المتوترة، تدخل الشيخ نصرت قشاقش طالبًا اعتماد “لبّيك يا حسين” كهتاف جامع يضم جميع المشاركين في إحياء مراسم عاشوراء، محاولًا بذلك تهدئة الأوضاع والحفاظ على وحدة الطقوس والاحتفال.

ومؤخرًا، تجلّى هذا التوتر أيضًا في اشتباكات كلامية علنية بين مناصري الطرفين على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض المناسبات الشعبية، حيث تبادلوا الاتهامات والتخوين. وما جرى من اشتباك شفهي بين مناصري الحركة ومناصري الحزب لا يعكس سوى قمة جبل الجليد في الصراع بين الطرفين. فخلف العبارات الساخنة تختبئ حالة من التنافس العميق على النفوذ والتمثيل، لم تخفف منها التحالفات الظرفية ولا الخطابات الموحدة في وجه الخصوم.

يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن لهذا التحالف الهش أن يصمد؟ وهل ستؤدي التباينات في الرؤية والهوية والدور إلى تصدع حقيقي في بنية الثنائي الشيعي؟ أم أن المصالح المشتركة وضغط التوازنات الداخلية والخارجية ستفرض استمرار التعايش بين “الأخوة الأعداء”؟

في النهاية، تظل العلاقة بين حركة أمل وحزب الله إحدى أبرز ملامح المشهد السياسي اللبناني: علاقة تتأرجح بين الوفاق والانقسام، وتخفي خلف ستار التحالف هشاشة وتنافساً قد ينفجر في أي لحظة، إذا ما تغيّرت المعادلات المحلية أو الإقليمية.

شاركها.