شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

عادل ديماسي

 

في مشهد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، يُوكل حزب الله – الذي يُعتبر من أكبر الكتل السياسية في لبنان – رئيس مجلس النواب نبيه بري مهمة قيادة المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك التنسيق مع شخصيات محورية في المرحلة المقبلة مثل قائد الجيش جوزيف عون والقاضي نواف سلام، المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية والحكومة على التوالي. هذا السلوك يطرح علامة استفهام أساسية: لماذا لا يتولى حزب الله بنفسه، من خلال كتلته البرلمانية أو كوادره السياسية، هذا النوع من المفاوضات الذي يُفترض أنه مصيري لمستقبله ومستقبل البلاد؟

من الواضح أن حزب الله لا يعاني من نقص في الحضور السياسي الرسمي. فالحزب يملك كتلة نيابية نشطة في البرلمان، وهو شريك دائم في الحكومات المتعاقبة، وله امتدادات سياسية داخل الوزارات والمؤسسات. بل إن الكتلة النيابية التابعة له لا تُخفي هويتها، بل تعمل بوضوح تحت راية الحزب، وتُعبّر عن سياساته، وتدافع عن رؤيته، وتخوض المعارك التشريعية باسمه. إذاً، فالحزب موجود ضمن الشرعية اللبنانية، بل هو من أبرز اللاعبين فيها.

لكن بالرغم من هذا الحضور الشرعي، يفضّل حزب الله أن يبقى بعيدًا عن واجهة التفاوض في الملفات “الحرجة”، ويفضل أن تتم التفاهمات مع الخارج أو مع الأطراف اللبنانية الحساسة عبر الرئيس نبيه بري. وقد يرى البعض في هذا الأمر براغماتية سياسية، إذ يُعد بري سياسيًا متمرسًا، ويتمتع بعلاقات جيدة مع أطراف داخلية وخارجية، وله قدرة على تدوير الزوايا واللعب على التناقضات، ما يسمح بتمرير الاتفاقات بأقل خسائر ممكنة.

لكن المسألة لا تبدو بهذه البساطة. فالتفويض المتكرر والمُمنهج من حزب الله للرئيس بري في ملفات دقيقة وأساسية يكشف عن رغبة الحزب في البقاء ضمن منطقة رمادية: هو ليس في المعارضة ولا في الحكم، هو يشارك في المؤسسات لكن دون أن يتحمّل كامل المسؤولية أمام الداخل والخارج. هو يفاوض، لكن عبر غيره. وكأن الحزب يريد الاحتفاظ بأدوات القوة والقرار، دون أن يضع نفسه مباشرة في مرمى الضغوط أو المساءلة.

إن هذه المقاربة تعكس ازدواجية عميقة في مقاربة حزب الله للحياة السياسية اللبنانية. فالحزب من جهة يتمسك بشرعيته النيابية والتمثيلية، ومن جهة أخرى يرفض أن يُعامل كطرف سياسي “عادي”، ويصرّ على الاحتفاظ بخصوصيته كـ”مقاومة” تفرض على الآخرين التعامل معها بمنطق استثنائي. والمفارقة أن هذا التناقض يتجلى بأوضح صوره في لحظات التفاوض، حيث يُتوقع من الحزب أن يتصرف كفاعل سياسي مسؤول، لكنه يفضّل دائماً أن يدفع بغيره إلى المقدمة.

ربما يهدف هذا الترتيب إلى حماية الحزب من الإحراج السياسي، أو إلى الحفاظ على مسافة تكتيكية تتيح له التراجع أو التبرؤ في حال فشل أي تفاهم. وربما يُعبّر عن قناعة داخلية لدى الحزب بأن مكانه الطبيعي ليس طاولة التفاوض، بل ميدان القوة والضغط.

لكن مهما تكن الأسباب، فإن استمرار هذا السلوك يُضعف صورة الدولة اللبنانية، ويُعقّد العلاقات السياسية داخلها. فحين يُصبح الممثل الحقيقي لأي مفاوضات لبنانية غير واضح، وحين تُدار الملفات الكبرى بأسلوب الوكالة والظل، فإن ذلك لا يخدم لا الشفافية السياسية، ولا بناء الثقة، لا داخليًا ولا خارجيًا.

في النهاية، السؤال لا يزال مطروحًا: إلى متى سيستمر حزب الله في الحكم من خلف الستار، مكتفيًا بتمثيل قانوني، لكنه يُفرّغ هذا التمثيل من مضمونه عندما تتعلّق الأمور بالقرارات السيادية؟

 

شاركها.