شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

طارق الحجيري

منذ ولادة تحالف الثامن من آذار عام 2005، قدّم هذا الفريق نفسه بوصفه حاملًا لمشروع “المقاومة” ومناهضًا لما اعتبره هيمنةً أمريكية وغربية على القرار اللبناني. برغم التباينات بين مكوّناته، نجح لفترة في الترويج لرواية سياسية تتجاوز الطوائف، تتمحور حول السيادة ورفض التبعية شكليًا. لكن هذا المشروع الذي رفع رايات الكرامة والتحرّر، سرعان ما كُشِفَت هويته بخطابه الهابط، فقد عرفنا أنَّ السياسة في قاموسه تعني السباب والتخوين.

منابر الشتائم بدل السياسة
لا يحتاج المتابع اليوم إلى عناء كبير لاكتشاف مستوى الانحدار في الخطاب السياسي لفريق الممانعة. من “المنار” إلى “إذاعة النور”، ومن خطب النواب إلى منشورات الجيوش الإلكترونية، تنتشر لغة تحترف الشتيمة، تقدّس التخوين وتُمعن في الشخصنة. فكل من يعارض هو “عميل”، وكل من يطالب بالتغيير هو “أداة سفارات”.
حتى المنبر الديني، كما في عاشوراء، بدل أن يكون مساحة جامعة، بات منصةً للنكد وتصفية الحسابات، حيث لم تتردد قيادات الحزب ونوابه في وصف خصومهم بـ”حثالة المجتمع” و”أيتام المشروع الأميركي الصهيوني”، في تجسيد فجّ لتحوير الدين إلى أداة تعبئة حزبية.

أمل تهشيم باسم الزعيم
اللافت أكثر هو مزايدة حركة أمل على الحزب، فقد بات مألوفًا في خطاب أركانها وقادتها، لا سيما في ساحات الجنوب والبقاع، أن تتكرر مصطلحات السوق في مهرجاناتهم وإطلالاتهم الإعلامية. أحد نواب الحركة قال في جلسة علنية: “الناس يلي بيحكوا عن الفساد بدن سطل مي يغسلن”. وحين يُنتقد الرئيس نبيه بري، ينبري مناصروه بردود من قبيل: “عيب تحكوا عالنبي”، “الاستييذ خط أحمر”، “بري فوق النقد”. كأننا في جمهورية محصّنة ضد المحاسبة، لا في دولة تدّعي الديمقراطية.

الوطني الحر: خطاب الضحية بلغة متنمّر   منذ وصول ميشال عون إلى لبنان قادما من منفاه، باشر من المطار خطاب ال “سكتوا” ولازمه انحدار الخطاب حتى نيله حلمه بالرئاسة وخروجه منها، اعتمد تياره خطابًا ثأريًا قائمًا على المظلومية والاستعلاء. وتحوّل صهره جبران باسيل إلى النموذج الأكثر وضوحًا لهذا الخطاب،  هجوم على الإعلام، تخوين كل الخصوم، واستعلاء في الخطاب السياسي والشخصي. حتى أنه لم يوفر حليف الحليف “بري” من وصفه بـ”البلطجي” إلى السخرية من لهجات منافسيه ومناطقهم. يعكس هذا الخطاب نزعة فئوية عنصرية سواء تجاه اللبنانيين من خارج البيئة العونية، أو تجاه اللاجئين الفلسطينيين والسوريين.

إفلاس يكسوه الغضب
هذه الرثاثة الخطابية والانحطاط اللغوي لا يعبّر عن قوة أو ثقة، بل عن عجز سياسي وفكري. كيف يمكن لفريق يرفع شعار “حماية الوطن” أن يعجز عن احترام معارض أو صحافي؟ .كيف يقنع الناس بمشروعه، فيما هو غارق في التخوين والتشهير؟ إن فريق الممانعة، بكل مكوّناته، لم يعد قادرًا على اثبات عمله لمصلحة لبنان. وأمام تأكيد هويته الايرانية صار يشتم بدل أن يناقش، يهوّل بدل أن يواجه، ويختبئ خلف شعار “المقاومة” كلما ضاقت به الزاوية.

لا مقاومة بوجود دولة
ما تحتاجه الساحة السياسية اليوم هو أولًا: استعادة اللغة المحترمة في التخاطب، ليس كأداة تعبير فقط، بل كأداة بناء. ويجب الإقرار بكل ثقة وجرأة أنَّه لا وجود لمقاومة في ظل دولة، هذه “الثنائية المسخ” ولَّى زمانها، ومن لا يحترم أخيه في الوطن، لا يمكنه ادّعاء حمايته من الخارج. السياسة التي تقوم على الشتيمة، لا تُنتج وطنًا، بل تولّد عصبيات متناحرة. لقد آن الأوان لجماعة الممانعة أن يراجعوا خطابهم. لا لأجل خصومهم فقط، بل لأجل جمهورهم. لأجل جيل يرى في ممثليه صورة نقية في الأخلاق السياسية بدل أن تُنفره. فمن لا يحترم الناس، لا يمكنه ادّعاء تمثيلهم.

شاركها.