شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

 

 

الدكتور عادل ديماسي

 

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحولات سياسية غير مسبوقة، تتجه نحو إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية التي عرفناها لعقود. عوامل إقليمية ودولية متشابكة تلعب دوراً محورياً في هذا التحول، بدءاً من التطبيع المتسارع بين دول عربية وإسرائيل، مروراً بانسحاب القوى التقليدية، وانتهاءً بتبدّل أولويات اللاعبين الدوليين في المنطقة. غير أن جوهر هذه التحولات يكمن في نقطة مركزية واحدة: مسألة سلاح حزب الله في لبنان، والتي أصبحت في نظر كثيرين آخر فصل في معادلة ما بعد الحرب الباردة في الشرق الأوسط.

رغم أن مستقبل الحكم في سوريا لا يزال غير محسوم بشكل نهائي، إلا أن الفائز الأكبر حتى الآن هو إسرائيل. استطاعت الأخيرة أن تحوّل سنوات الفوضى في الجوار إلى فرص استراتيجية: تدمير البنية العسكرية السورية، تحجيم النفوذ الإيراني في الجنوب السوري، وترسيخ تفاهمات ضمنية مع موسكو وواشنطن تسمح لها بحرية حركة عسكرية في عمق الأراضي السورية واللبنانية. هذا التقدم الإسرائيلي لم يعد يُقاس فقط بمكاسب ميدانية، بل بدأ يتجلّى بتغيرات سياسية وأمنية ستُعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة.

إن المسألة الجوهرية التي ستكون عنوان المرحلة المقبلة هي مسألة سلاح حزب الله. فمن الواضح أن هناك توافقاً دولياً – غير معلن حتى الآن – على أن وجود ميليشيا مسلحة بحجم حزب الله، مرتبطة بإيران، في قلب لبنان وعلى حدود إسرائيل، بات يمثل تهديداً غير مقبول للاستقرار في المنطقة، وللأجندة الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة وحلفاؤها. هذا ما يدفع إلى توقع أن المعركة الفاصلة القادمة ستكون معركة انتزاع سلاح الحزب، وهي معركة قد تحصل وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول يتمثل في اندلاع حرب مواجهة جديدة بين حزب الله وإسرائيل، وهو السيناريو الأخطر والأكثر دموية، لكنه وارد في حال حاول الحزب استباق أي محاولة لفرض نزع سلاحه عبر الضغط الشعبي أو السياسي. غير أن إسرائيل تبدو في موقع متريّث، تُفضّل عدم الذهاب إلى مواجهة شاملة، ما لم تتوفر تغطية دولية واضحة، خصوصاً من الولايات المتحدة.

السيناريو الثاني هو حصول مواجهة داخلية لبنانية – سورية، بحيث تدخل قوات “الشرع” السوري في صدام مباشر مع حزب الله على خلفية محاولة دمشق استعادة السيادة الكاملة على الحدود، خاصة بعد تغيرات ميدانية وتفاهمات إقليمية قد تسمح لها بذلك. هذا السيناريو قد يبدو بعيداً في اللحظة الراهنة، لكنه غير مستبعد على المدى المتوسط في حال تحوّلت موازين القوى داخلياً في سوريا ولبنان لصالح الدولة على حساب الميليشيات.

أما السيناريو الثالث، والذي قد يكون الأكثر ترجيحاً، فهو التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين النظام السوري وإسرائيل والولايات المتحدة، يتضمن ترتيبات أمنية تسمح بانتزاع سلاح حزب الله ضمن صفقة شاملة. قد يشمل هذا الاتفاق ضمانات أميركية للنظام في دمشق، وتطبيعاً تدريجياً للعلاقات بينه وبين الغرب، مقابل تفكيك البنية العسكرية للحزب، وتحجيم الدور الإيراني في لبنان وسوريا. في هذا الإطار، يصبح التعاون العسكري بين إسرائيل و”الشرع” السوري احتمالاً واقعياً لأول مرة منذ عقود، ولو جرى ذلك في الظل وبعيدا عن الأضواء.

بغض النظر عن الطريقة التي سيتم بها انتزاع سلاح حزب الله، فإن الثابت أن الشرق الأوسط يتجه نحو خارطة جديدة، يكون فيها لإسرائيل اليد الطولى، ويعود فيها “الشرع” السوري، وإن بشكل مختلف، إلى لعب دور وظيفي في التوازنات الإقليمية. إنها مرحلة نهاية مرحلة، وبداية شرق أوسط جديد.

شاركها.