
كلمة البديل
أحمد الأيوبي
إعتاد اللبنانيون عند حلول شهر رمضان المبارك من كلّ عام أن تقوم وحدات من الجيش اللبناني بإطلاق طلقات مدفعية خلّبية إيذاناً بدخول موسم الصيام ومواكبة لأوقات الفجر والإمساك والغروب حتى بلوغ موعد عيد الفطر السعيد.
ولأنّ الاعتياد يُنسي في الكثير من الأحيان قيمة المبادرات وأبعادها الوطنية والإنسانية، فقد شعرتُ كأنّني أقرأ بيان قيادة الجيش لهذا العام للمرة الأولى، وجذبني التفكير في أبعاد هذا البيان الذي يمرّ أمامنا كلّ عام.
ورد في البيان أنّ وحدات من الجيش في مناطق بيروت- الشمال- الجنوب، ستقوم بإطلاق ثلاث طلقات مدفعية خلبية، ليل الإعلان عن أول أيام شهر رمضان، وطلقة واحدة يومياً في كل من وقت الفجر (الإمساك) والمغرب (الإفطار)، وثلاث طلقات عند الإعلان عن موعد عيد الفطر السعيد في نهاية الشهر.

كان تقليد مدفع شهر رمضان تقليداً عثمانياً استمرّ إلى عهد الإنتداب الفرنسي حين وضع الانتداب يده على الأوقاف الإسلامية، وفي سنة 1935، ومع اتساع مدينة بيروت جنوباً وغرباً، نقل المدفع إلى تلة الخياط (خلف مبنى تلفزيون لبنان اليوم) التي كانت تشرف على معظم الإحياء الإسلامية، وصار الإشراف على المدفع وإطلاقه بعهدة رجال القناصة اللبنانية التابعة لجيش الشرق. أما بعد الاستقلال فقد استلم الجيش اللبناني هذه المهمة.
ومع تولّي الجيش اللبناني هذه المهمّة أصبح لها معنى وطنياً استمرّ وتواصل رغم الحرب الأهلية، وهي يحمل الكثير من معاني المشاركة الوطنية الراقية ومن احترام المؤسسة العسكرية للمسلمين، ويحمل كذلك بُعْدَ الشراكة بمعناه الواسع الذي يحترم الأديان ويحترم التنوّع ويراعي الخصوصيات، ويرعى الحرّيات ويعكس التكوين اللبناني المتعدِّد، الذي يعتبر الجيش أحد أهمّ مساحاته وأقوى مكوّناته، حيث تجتمع الأخوّة في الوطن، فيتشارك أبناؤه التضحيات والعطاء والوفاء، ويقدّمون أبهى معاني الشرف والعزّة والكرامة.
في البعد الدستوري، يمارس الجيش واحداً من أجمل وسائل تطبيق الدستور الذي ينصّ على احترام الأديان والشعائر الدينية، وهو ما يعبّر عنه استقبال الجيش لشهر رمضان المبارك، على طريقته الرصينة وأسلوبه الرفيع.

لا شكّ أنّ الجيش اللبناني هو ميدان صقل الطاقات للدفاع عن الوطن، رغم كلّ ما تتعرّض له الدولة من انتهاكات توشك أن تهدِّد الكيان بسبب إجرام الطبقة السياسية، لكنّ صمود الجيش قيادة ومؤسّسة وبقاءها بعيداً عن متناول هؤلاء المتلاعبين بمصير الوطن وأهله، ومحافظتها على النقاء بعيداً عن شبهات الفساد، بينما يتناهش السياسيون ما تبقّى من الدولة.. كلّ هذا يجعلنا كمسلمين وكلبنانيين، نؤكّد تمسكنا بالجيش، باعتباره الملاذ الأخير للحفاظ على الوطن والكيان والشعب.

مع وصول العماد جوزاف عون إلى قيادة الجيش، شهدنا تطوّراً هاماً أنهى حقبة طويلة من استبداد السلطة واستعمالها الجائر للنفوذ وللقضاء في استهداف شرائح عانت طويلاً من الاستهداف ذي الطابع المذهي والطائفي، فعاد التوازن إلى الواقع الأمني، وعاد ميزان العدالة ليستقرّ نسبياً، كما أنّ توريط السلطة للجيش في الصدام مع الناس قد انتهى، كما أعلن العماد عون مرات عدة.
إنفتحت قيادة الجيش على أهل السنة والجماعة، فكانت الزيارة الهامة لقائد الجيش إلى طرابلس، وفتحت حوارات واسعة مع الهيئات العلمائية والجمعيات والشخصيات المؤثرة، وأولت الاهتمام لفرض الاستقرار في المناطق التي عانت من الاستهداف الأمني، وخاصة طرابلس الفيحاء.
في مستهلّ هذا الشهر المبارك، نبارك للمسلمين وللبنانيين بقدومه، ونشكر لقائد الجيش العماد جوزاف عون حرصه واهتمامه وهمّته في رعاية الأمن والاستقرار والحريات وإنهاء الظواهر السلبية والانخراط في التصدي للآفات الاجتماعية وأوّلها آفتا التطرّف وصناعته المشبوهة، المخدِّرات وشبكاتها المدمّرة، مما جعله حليفاً لجميع الشرفاء في المجتمع، وهو الذي يقوم اليوم بمهمات جسام أمنياً واجتماعياً، في ظلّ تراجع حضور الدولة وتراجع سلطاتها.
مدفع الإمساك والفجر والإفطار من مدفعية الجيش اللبناني، هو إعلان محبة وتواصل واحترام ومودة للمسلمين وتعزيز للوحدة ولمرجعية المؤسسة العسكرية الجامعة.. إنّها صورة ينبغي استذكارُها مع دخولنا شهر رمضان المبارك، نسأل الله سبحانه أن يُنزل فيه الخير والبركات على لبنان في أزمته التي يعانيها، وأن يلطف به ويكفّ أذى سلطة الفساد، وأن يحمي جيشه من كلّ تآمر واستهداف، وأن يسود الأمن والسلام ربوع لبنان الحبيب.
