شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

هل سبب الفلتان الأمني في طرابلس لوجستيّ أم سياسي؟

ينبغي تحديد الثغرات الأمنية ومصارحة الجميع بها

هل تعاون المجتمع المحلي في تأمين احتياجات القوى الأمنية كافٍ أم أنّ وراء الأكمة السياسية ما وراءها؟

أحمد الأيوبي

بادر النائب إيهاب مطر في آخر أيام العام المنصرِم إلى إنشاء وإضاءة مجسم حمل عنوان “I LOVE TRIPOLI” في ساحة التل على مقربة أمتار من ساعتها التاريخية وذلك للمساعدة في إعادة الحياة إلى قلب المدينة وتشجيع الحركة التجارية فيه، ولاقت تلك الخطوة استحساناً واسع النطاق في الأوساط الاقتصادية والشعبية كمبادرة لخرق الجمود برمزيتها الجامعة حول حبّ طرابلس، لكنّ المجسّم تعرّض لسرقة تجيهزاته الكهربائية والتخريب على أيدي عابثين بالأمن يصرّون على ضرب كلّ ما هو إيجابي وجميل في المدينة.

يأتي هذا الاعتداء بعد اعتداءين تعرّضت لهما شجرتا الميلاد في ساحة كنيسة مارجاورجيوس في منطقة الزاهرية في طرابلس وأمام أمام باحة كنيسة مار جاورجيوس للروم الارثوذكس في الميناء ليُضاف إلى واقع التفلّت الأمني المشبوه الذي يضرب عمق طرابلس وأطرافها ويجعلها تتفرّد بهذا الواقع الذي يجمع بين سريان الفوضى المحمية التي تسمح باحتلال الشوارع والساحات والعقارات الخاصة والعامة، مع زيادة النشاط المشبوه المؤهّل للفتن الطائفية والسياسية.

الغرف السوداء تستهدف كلّ إيجابي وجميل في طرابلس

الواضح أنّ هناك عصابات في طرابلس تحظى بغطاء سياسي تتولى التخريب لكلّ ما هو إيجابي في المدينة، ولا شكّ أنّ حركة النائب إيهاب مطر تتمتّع بحيوية لافتة، وهو رغم صفتي المستقلّ والاستقلالي التي يحرص عليهما، غير أنّه ليس مستفِزاً لأحد ويملك القدرة على التواصل مع الجميع محتفظاً بموقفه السياسي ومعبِّراً عنه بكل قناعة وثبات، ويبدو أنّ ما يقوم به النائب مطر أزعج جهاتٍ لا تريد لهذا النموذج الجادّ والمتقدّم أن يواصل مسيرته في تظهير حقيقة طرابلس المشرقة وفي إضاءة قلبها وفي مسعى تحسين الحياة الاقتصادية فيها، لأنّ هذه الغرف السوداء تأبى إلاّ أن يبقى سوادُها هو السائد وأذاها هو المسيطِر.

ردّ مطر: مستمر في محبة طرابلس وخدمتها

كان جيداً أن يردّ النائب مطر على الاعتداء بإبداء إصراره على مواصلة عمله لصالح طرابلس مؤكداً “أنّ المدينة ليست أرضًا للإرهاب، وليست مركزًا للتخريب أو للتطرّف من أيّ نوع كان، “لكن للأسف البعض ممّن لا يُحبّ المدينة يقوم بإيذائها، لكن في المقابل، نؤكّد أنّ أيّ مسّ أو تشويه المدينة لن يُجدي نفعًا ونحن تحديدًا نعمّر، نحسّن ونعطي مدينتنا حقّها، وحقّ طرابلس يكمن في أهمّية تثبيت الأمان، السلام والتطوّر الاقتصادي فيها، كما بجذب السياح واستقبالهم لتكون المدينة وجهة لكلّ من يُريد الاستمتاع بجمال وآثار المدينة، من دون أن يشعر بخطر على حياته”.

وعن سرقة الأسلاك، قال مطر:”نرصد حاليًا حجم الأذى الذي حدث وهو كبير، وعلى الرّغم من كلّ ذلك أريد أن أقول لكم، أحبّوا طرابلس التي تُعبّر عني، عنكم وعن كلّ مواطن طرابلسيّ، فنحن ومن خلال الأمور التي نقوم بها، نعبّر عن صورة طرابلس وحقيقتها، لا أمام المجتمع الطرابلسيّ فحسب، بل أمام المجتمع اللبناني أيضًا”. وأضاف:”لا ندرك من الذي ارتكب هذا الفعل، لكن يوجد من تمّ توقيفه كما تمّ الادّعاء بصفة شخصية أيّ بصفة تجار التلّ ضدّ الفاعلين، ونحن نعلن تعاوننا وتضامننا معهم، لكن بالتأكيد نترك التفاصيل الأمنية لتأخذ مجراها، لأنّنا لن نسمح أبدًا بمرور هذا الأسلوب من دون محاسبة ومتابعة وفق الأطر القانونية اللازمة، أمّا ما خسرناه منذ ساعات، سنعوّضه وسنضيئ المجسّم من جديد لنعيده كما كان، ونعلن أنّنا سنكون رأس حربة في المحاسبة، ولن ننام في ظلّ وجود فلتان وتخريب، خاصّة من قبل من لديه مشاكل مع المدينة، أمّا أهالي الفيحاء فلا شكّ لدينا بولائهم لمدينتهم لأنّهم يُريدون الأفضل لها دائمًا، كما سيمنعون أيّة أعمال تخريبية فيها…”.

جريمة مركبة تستهدف سمعة المدينة

تجتمع في هذا الاعتداء العناصر الجُرمية باعتبارها سرقة وسلباً، وهو استهدافٌ سياسي لحركة النائب مطر الموسومة بالهدوء وعدم الاستفزاز كما أنّه يحمل سمة الاعتداء على سمعة طرابلس عن سبق الإصرار والترصّد وتكمن الإشكالية في سقوط عامل الردع في منع الاعتداءات التي تطال سمعة طرابلس. فالاعتداء على شجرة الميلاد في الزاهرية لم يمنع تكراره في الميناء، ولم يمنع تواصله في ساحة التل، مما يدفع للتساؤل: هل يُعقل أن يُضطر أصحاب المبادرات إلى تأمين الحراسة لأعمالهم وهي عائدة للمدينة وليست في الملك الخاص للقائمين بها؟

لغز الأمن في طرابلس

لا تتوقف الأصوات عن الارتفاع لحفظ الأمن في طرابلس، لكن يبدو أنّ أمن هذه المدينة لغز عصيّ على الحلّ، فطرابلس شهدت إحراق مصارفها وبلديتها جهاراً نهاراً ولم تستطع كلّ الأجهزة الأمنية حماية مرافقها إلى أن جاء القرار من قيادة الجيش بوقف موجات الإرهاب التي كانت تجتاح الشوارع وتضرب المؤسسات وتحرقها فعاد الاستقرار العام إلى عاصمة الشمال، لكنّ جهود الجيش وحدها لا تكفي لتوفير الأمن والاستقرار ولوقف أعمال القتل والانفلات في إطلاق النار ومنع اللصوص من السرقات ووقف عمليات النشل التي تحصل بكثافة في الشارع الذي يقع فيه منزل وزير الداخلية بسام مولوي.

ولا شكّ أنّ قوى الأمن الداخلي تواجه صعوبات في تأدية مهامها وهذا ينعكس على أدائها ولكنّ الملاحظ أنّ هذه الظواهر الشاذة لا تظهر إلاّ في طرابلس لتصيبها في سمعتها وفي اقتصادها وعافيتها مما يدفعنا إلى التساؤل عن سبب هذه الخصوصية في هتك الأمن والإساءة إلى مدينة لفظت كلّ أشكال التطرف وتدثّرت بالعلم اللبناني وهي الحاضرة التاريخية الحاملة لتراث العلماء والمحتضنة لمئات المساجد والكنائس الشاهدة على أصالة أهلها وشراكتهم بالأمس واليوم وإلى أبد الآبدين.

هل يكمن الحلّ في دعم المجتمع المحلي لقوى الأمن؟

فهل يكمن الحلّ في خصخصة عمل قوى الأمن الداخلي على المستوى المناطقي، بمعنى أن يقوم المجتمع المحلي بتمويل احتياجاتها المادية والعملانية مقابل توفير الأمن من القوى الشرعية بدل انزلاق الوضع إلى الأمن الذاتي أو التصدّع واندلاع الصراعات في الشوارع والأحياء وعودة الخوّات والعصابات للانفلات في المدينة.

الأمر يحتاج إلى مصارحة وتفكيك:

فحفظ الأمن في طرابلس يحتاج إلى تكامل وتعاون الأجهزة الأمنية وخاصة الجيش وقوى الأمن الداخلي والقضاء، وفي الظاهر يظهر أنّ الثغرة تكمن في تأثّر قوى الأمن بالأزمة مما يعوّق حركتها. فهل المشكلة ماديّة لوجستية بحتة؟ أم أنّ هناك ما هو أبعد من هذه الثغرة؟ ولماذا لا يبادر الوزير مولوي والقادة الأمنيون إلى مصارحة الجميع ووضع كلّ المعنيين أمام مسؤولياتهم وتحديد الثغرات القائمة وتقديم الحلول المطلوبة فلا يُعقل الاستمرار في السماح لهؤلاء المجرمين بالاستمرار في ضرب استقرار وسمعة المدينة.

ما يدفع للتفكير بهذا الاتجاه هو أنّ طرابلس كانت تعاني من هذه الظواهر قبل وقوع الانهيار والأزمة، ولم تكن القوى الأمنية تواجه مشكلة المحروقات ولا عقبة الصيانة ولم يكن القضاء تحت وطأة الإضرابات.. ورغم ذلك كانت تقع الجرائم المشبوهة.

إذاً ما هو السبب في استمرار هذه المعضلة؟

هل هو غياب القرار السياسي في فرض الأمن، وهل هناك من يرعى تحت أجنحة الظلام هذه “الفوضى المنظمة” التي تريد وأد أيّ محاولة للنهوض بطرابلس مهما صغرت أو كبُرت، وإذا كان الأمر كذلك، فالواجب هو فرز النواب والقوى السياسية وتمييز الخبيث من الطيب وطرح المواقف في حقيقتها وعدم الاكتفاء بتصاريح المجاملات السياسية الباطنية التي تُخفي عكس ما تُظهِر.

الكرة في ملعب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الداخلية بسام مولوي وهما ابناء طرابلس أن يضعا الأولوية المطلقة لحفظ الأمن في مدينتهما ووضع حدٍّ للتجاوزات بحقِّها وأن تحظى بالاستقرار على المنسوب العام للاستقرار في لبنان.

شاركها.