قالت “القوات اللبنانية” كلمتها في قداس شهداء المقاومة اللبنانية بتحميل الممانعة مسؤولية الوضع الكارثي في لبنان، وإعلان مواصلة المواجهة المفتوحة معها، والقطع مع السياسات السابقة إن بالتجاوب التلقائي الذي كان يحصل مع دعوات للحوار هي أساسًا ملغومة، أو بالتعاطي السياسي الكلاسيكي وكأن الانقسام هو بين معارضة وموالاة في سياق حياة سياسية ديموقراطية.
فجوهر كلمة رئيس حزب “القوات اللبنانية” يرتكز على تطوير “القوات” واستطرادًا المعارضة لآليات المواجهة مع الممانعة من خلال رسائل واضحة: انتهاء صلاحية معادلات من قبيل هذا المرشّح أو الشغور، ورفض أي تسوية ما لم تكن بشروط البلد والدستور، والتعامل مع الفريق الممانع بكونه مرتكب وقاتل ومعطِّل وخاطف، وإشهار المواجهة المفتوحة مع فريق حوّل لبنان إلى وطن لا يشبه أحلام اللبنانيين وتطلعاتهم.
فكلمة الدكتور جعجع تشكّل تتويجًا لنهج جديد في التعاطي مع الواقع السياسي بدأت معالمه مع ثورة 17 تشرين وترسخّت مع انفجار المرفأ وتبلورت مع انتخابات 2022، فلا مكان بعد اليوم للتعاطي السياسي التقليدي مع فريق يتوسّل الطرق كلّها: الأمنية والسياسية غير المشروعة تحقيقًا لأغراضه السلطوية، ويريد من الفريق الآخر التعامل معه بشكل طبيعي وكأن الدنيا بألف خير.
وقد أعدّ الحكيم مضبطة اتهاميّة دقيقة عن ممارسات الفريق الممانع منذ العام 2005 إلى اليوم تتناول الاغتيالات واستخدام السلاح والتعطيل والتفريغ والسلبطة والفساد وشلّ المؤسسات وضرب القضاء والإساءة إلى علاقات لبنان الخارجية(…)، وهذه المضبطة يجب تذكير اللبنانيين يوميًّا بها وتحويلها إلى القاعدة الأساس التي تحكم العلاقة مع الفريق الممانع.
وقد اعتاد هذا الفريق أن يغتال ويعطِّل ويستخدم السلاح تحقيقًا لأغراضه وأن ينتظر من خصمه أن يواصل التعامل معه وكأنّ شيئًا لم يحصل، فيُطوى اغتيال بعد اغتيال، وتعطيل بعد تعطيل، وتستمر الحياة السياسية من دون اعتراض، وفي حال حصول أي اعتراض يخوّن صاحبه وكأنّ الاغتيال حقّ والاعتراض عليه خيانة.
فالمتبدِّل والمتحوِّل في كلمة الدكتور جعجع يكمن في القطع مع السياسات السابقة، وهذا القطع كان بحاجة لظروف وأحجام وتقاطعات ووصول البلد إلى نقطة النهاية، ومن هنا كانت الرسالة واضحة تمامًا: نعرف تاريخكم وأصلكم وفصلكم وأساليبكم ومخطّطاتكم وأغراضكم وإجرامكم وكذبكم وخداعكم وتعوّدنا من تجاربنا معكم وتجارب مَن سبقنا، فلا عودة إلى الوراء ولا مسامحة ولا نسيان ولا غضّ نظر ولا تفهُّم، إنما العين بالعين والسن بالسن، لأن الشعب اللبناني لم يعد يحتمل، ولأنكم استخدمتم الفرص التي أعطيت لكم من أجل مزيد من التحكُّم بحياة اللبنانيين وقهرهم وتجويعهم وتهجيرهم وتغيير هوية البلد…
وباختصار كلمة بشقين: شقّ تشخيصي لواقع لبنان الحزين والأليم بسبب الممانعة وممارساتها، وشقّ نضالي بتجديد الوعد أمام الشهداء بأن المواجهة مستمرة حتى تحقيق الأهداف التي سقطوا من أجلها، وما بينهما الانتقال إلى فصل جديد من المواجهة، وهذا الفصل مفتوح على فصول أخرى.. وللموقف تتمّة في الوقت المناسب..
