شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب عارف العبد في المدن

واجه الشعب اللبناني خلال الساعات الماضية، سلسلة من الأحداث المهمة التي أعادت تثبيت وضع لبنان في قلب أتون جهنم، وفي وسط المخاطر الجسيمة والفادحة التدهور.

كل ذلك، أعاد طرح جملة من الأسئلة الصعبة حول مصير هذا البلد وشعبه، إذا ما استمرت الأزمة الراهنة على حالها وتفاعلها وتطورها المتصاعد. وقد واجه لبنان سلسلة من المعطيات والمؤشرات الجديدة والمقلقة.

أفدح القرارات التي اتخذت واعتبرت مؤشراً خطيراً تستهدف لبنان بوجوده من دون تردد، هو التصويت الذي أقدم عليه البرلمان الأوروبي، بدعم بقاء النازحين السوريين في لبنان وبإدانة الشعب اللبناني وتحميله مسؤولية خطاب الكراهية العنصري ضد النازحين، ما شكل طعنة خبيثة ومسمومة من قبل الدول أو النواب المؤيدين لهذا التوجه المناقض لجوهر بقاء لبنان.

كشف هذ التصويت، في بعض بنوده في أقل تقدير، عن توجه خطير أوروبياً تجاه لبنان لا يمكن السكوت عليه وتجاهله أو الاستسلام أمامه. وقد أضاف هذا التطور نقطة مهمة على جدول أعمال تسعير التحريض العنصري، الذي كان اعتمده البعض تجاه النازحين السوريين.

خطورة هذا التوجه أنه يصدر عن جهة أوروبية. وهي الجهة التي يفترض أنها أكثر علماً ومعرفة بحساسية وضعف تركيبة لبنان الديمغرافية والاجتماعية.

ببساطة، معنى هذا التصويت، هو أن الدول الأوروبية الداعمة لهذا الاتجاه، قررت الاستغناء والإطاحة بتركيبة لبنان الديمغرافية المتوازنة والحساسة والمتنوعة، ودعم توجه الإطاحة وتدمير هذه التركيبة. مما يعني احتمال الاستغناء وإزالة هذا البلد من الوجود، الذي سبق للبابا يوحنا بولس السادس أن وصفه بأنه “أكثر من وطن إنه رسالة”.
من المسلم به، أن دعم بقاء النازحين في لبنان بهذه الطريقة، وبنسبة وجودهم المرتفعة مقارنة مع أعداد الشعب اللبناني، يؤشر إلى توجهات خطيرة لهذه الدول، منها إلغاء أي اهتمام بحل ومعالجة الأزمة السورية، بل بالعكس العمل على مفاقمتها بإبقاء النازحين حيث هم خارج بلادهم، وخصوصاً في لبنان. مما يشكل قراراً وتوجهاً بتدمير وتخريب صيغة وتركيبة هذا البلد الضعيف والهش والفسيفسائي.

وقد تكشّف للشعب اللبناني خلال الساعات الماضية، إنه إضافة إلى فساد حكامه وعجزهم وفشلهم الكبير، فإن باقي الكوابح المفترضة لحماية ما تبقى من لبنان، وخصوصاً السلطات القضائية، هي في أزمة عميقة، وعلى وجه التحديد بعد القرار المتهور والأرعن بحق الإعلامية ديما صادق.

لا تفسير للقرار القضائي بحق صادق، إلا أنه صدر نتيجة التوجيه والأمرة السياسية على بعض القضاة من خارج مؤسسة القضاء. وهي القوى النافذة والمسيطر والموجهة لعمل القاضي الذي اتخذ هذا القرار الجائر والخطير بمدلولاته ومعانيه. إذ أنه يهدد أغلب الصحافيين والإعلاميين وقادة الرأي، إضافة إلى أسس تميز لبنان موئل الحريات الوحيد في المنطقة.

بالتوازي مع السقطة القضائية التي ارتكبت بحق الإعلامية صادق، والإعلام وحرية التعبير بشكل عام، فإن المسالة الثانية التي أثارت وتثير القلق هو الاقتراب من الارتطام بجدار الفراغ والشغور في السلطة النقدية، مع انتهاء ولاية الحاكم بأمر مصرف لبنان رياض سلامة مادوف.

الخطير إزاء هذا التطور الكبير، هو الاستعداد للتمنع والمناورة، من قبل نواب الحاكم للهروب، والتهرب من تحمل المسؤولية التي أنيطت بهم نتيجة تعيينهم في مناصبهم.

هل يعقل، أن يقدم نواب الحاكم على التهرب من تحمل مسؤولية هم عينوا في مراكزهم لتحملها أساساً، وقد تكبد المواطن اللبناني وما يزال أكلافاً ومبالغ طائلة من أجل تغطية تكاليف وظائفهم، من أجل أن يقوموا بمهامهم خلال وجود الحاكم في عمله وبعد فراغ منصبه وانتهاء ولايته، وحين حانت ساعة الاستحقاق، أي آن أوان عملهم، تصاعد الاتجاه لديهم ودب الرعب في قلوبهم للتهرب والهروب من تحمل المسؤولية المطلوبة منهم.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الإشارات والمعاني التي أرسلتها حادثة تعنيف الأطفال في إحدى الحضانات في منطقة المتن، إضافة إلى الجريمة الكبرى والخطيرة التي أدت إلى وفاة الطفلة لين عمر طالب (6 سنوات) من قرية سفينة القيطع في عكار، نتيجة نزيف نتج عن اغتصاب متكرر للطفلة، تبين أن المجرم هو أحد أفراد العائلة المقربين جداً من الطفلة.

بين الاتجاه إلى التخلي الأوروبي عن حماية تركيبة لبنان الديمغرافية، وتدهور أوضاع قسم كبير من القضاة في لبنان، والذي يفترض فيهم حماية حريات اللبنانيين وتطبيق القوانين، وانهيار آخر الدفاعات أو صمامات الأمان في السلطات النقدية، بعد أن نهب الساسة وعصابة المصارف مدخرات الشعب اللبناني.. كما انهيار منظومة القيم الاجتماعية عبر ما جرى في الحضانة والبلدة العكارية، هي مؤشرات مقلقة لظواهر خطيرة.

إن لبنان يجد نفسه بين خطر الانفجار مجدداً لأكثر من سبب، جراء أوضاع الجنوب والاندثار من تفاقم أزمة النازحين والتحلل نتيجة الفقر والعجز والفاقة.

شاركها.