شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب أحمد الأيوبي

ركب جبران باسيل الطائرة مُيَمِّماً وجهه شطر قطر حاملاً ما تبقّى من أحلامه الرئاسية المتكسّرة محاوِلاً استنقاذ ما يمكن استنقاذه للبقاء في المعادلة السياسية، لكنّه عاد بخـُفـّي حُنين من ديار العرب فكتب ناعياً خياراته بأنّ القطريين يطلبون حلاً واسم جوزيف عون من الأسماء المطروحة، معاوِداً فتح النار على قائد الجيش في لحظات التداخل الدولية والإقليمية وبعد أن انفضّ حبلُ السرّة الفرنسي عن سليمان فرنجية وبدأت التطورات تشير إلى أنّ المخرج الأكثر قبولاً داخلياً وخارجياً هو العماد عون.

كان باستطاعة جبران أن يمرِّر أيام الوساطة الفرنسية الجديدة وأن يحافظ على شيء من الهدوء لكنّه دائماً ما يفقد أعصابه عندما يتعلّق الأمر بقائد الجيش، وهنا يختلط الاستهداف بين الشخصي والمؤسساتي، إلى درجة الاستعداد لتحطيم وتدمير المؤسسة العسكرية وصولاً إلى الدخول في سجالٍ من جانب واحد حول ترقية ضبّاطٍ كان الجنرال ميشال عون مسبِّباً أول في معاناتهم الممتدة منذ العام 1994 حتى تاريخ إنصافهم بعد طول صبرٍ ومثابرة من قيادتهم.

أصل القضية: الحفاظ على استقلالية الجيش

ربّما تكمن قوّة جوزيف عون في صمته وتفرّغه لمواصلة مهمّته في الحفاظ على المؤسّسة العسكرية متماسكةً ومتمتعةً بالقدرة على الصمود رغم حروبٍ تعرّضت لها من داخل مراكز السلطة وخارجها، من دون أن يُستدرج للسجال مع جهة تلاحقه لأنّه حافظ على استقلالية الجيش ولم يقبل المشاركة في فتنة قبرشمون ولا أن يتحوّل إلى قامع للشعب عشية ثورة 17 تشرين الأول 2019 ليصبح من بعدها “انقلابياً” في نظر عهد كتب على نفسه النهاية بسبب جشع لا حدود له للسلطة وصولاً إلى جهنم.

كان باسيل ونوابُه وقياداته أوّل الذين طالبوا بوقف العمل بالتدبير رقم 3 وعملوا على التمييز بين العسكر في الخدمة القتالية والمكتبية لإثارة الحساسيات داخل الجيش، كما أنّ استهداف الجيش في الموازنة حصل على أيدي نواب التيار الوطني الحرّ وفي عهدهم توقف تطويع الضباط في المدرسة الحربية..

خصّص باسيل وزراء الدفاع لمناكفة قائد الجيش رغم أنّ وزير الدفاع هو وزير وصاية وليس وزير إمرة، بل إنّ مهمته أن يعمل كمنسِّق بين الجيش وباقي الوزارات. كما أطلق باسيل نظرية لا تركب على قوس قزح عندما قال بعد جريمة تفجير التليل: لو حوكم الجيش بعد تفجير مرفأ بيروت لما غرق مركب الموت في طرابلس ولما وقع انفجار التليل، ولا أحد يعلم كيف يمكن ربط هذا بذاك، وقد برأت التحقيقات ساحة الجيش في كلّ هذه الملفات.

إجتراح الإنجازات في قلب الأزمة

لعلّ المفارقة الأكثر تأثيراً في الشارع المسيحي والوطني هي قدرة قائد الجيش على اجتراح الإنجازات وتأمين الصمود لأبنائه، وهذا ما يراه المجتمعان العربي والدولي، فلا يكاد يمرّ شهر إلاّ ويحضر إنجازٌ لصالح العسكر، بينما يرزح باسيل تحت وطأة كوارث لا تنتهي من الفشل تحت شعار “ما خلّونا”.. ويختصر أحد المراقبين رحلة باسيل بأنّه وعد اللبنانيين بأن يركبوا “المترو” فكانت النتيجة أنّه ركب مع عمّه بالتوكتوك في أزقّة البترون.

يخرج باسيل عن لغة المنطق والقانون ويغرق في الشخصانية، ويتمسّكُ قائد الجيش بالقانون، فهو أعلن بوضوح أنّه بعد ستة أشهر سيتقاعد والأولوية تكمن في تأمين القيادة الانتقالية للجيش في هذا الظرف الدقيق وفي ظلّ الدفع بالعراقيل لتقويض صموده، فالأولوية للمؤسسة قبل احتمالات الرئاسة.

تلويحٌ بملفاتٍ فارغة وتغافلٌ عن الفساد

عاد باسيل إلى نغمة التلويح بفتح ملفات تتعلّق بالعماد جوزيف عون، وهي محاولات سقطت أمام الحقائق والوقائع، ويدعو مقرّبون من قيادة الجيش كلّ من يهوّل بهذه الملفات أن يفتحها ويضعها في عهدة القضاء وسيظهر عندها من هو الفاسد ومن هو الطاهر.

وبينما قطع المدير العام لأمن الدولة، المحسوب على الرئيس ميشال عون وصهره، الطرقات ونشر القناصة بمناسبة زفاف أحد أبنائه، كان قائد الجيش يجمع عائلته في حفل عائلي منزلي بمناسبة زفاف ابنته، متخلياً عن كلّ الامتيازات الشخصية، بينما شاهد اللبنانيون بعض كبار الضباط الذين تدثّروا بعباءة السلطة كيف يرفلون بنعيمها وآخرين خرجوا بثرواتهم من غير أن تراهم عينا باسيل الجاحظتان بالاستهداف للعماد جوزاف عون.

26 ألف طلب تطويع: دليل الثقة المستمرة بقيادة الجيش

توقف متابعون عند حقيقة أنّ مجمل القوى السياسية، وبعضها على مسافة من قيادة الجيش أو لها حساباتها الخاصة، أقلعت عن نغمة مهاجمة الجيش، بينما يثابر التيار الوطني الحرّ على سياسة الافتراء ورمي الحرام، وهو الذي يُفترض أنّه جاء من رحم الجيش وهذه مفارقة جديرة بالتوقف عندها، لأنّ شعبيّة العماد ميشال عون ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه بدون أن يرتدي البدلة العسكرية.

قائد الجيش العماد جوزاف عون في تكريم الضباط: منطق المؤسسات مقابل ألسنة التشويه

واجهت قيادة الجيش إشكالية فرار عسكريين من صفوفها، وهذا أمرٌ طبيعي كان يحصل سابقاً ويحصل اليوم في ظلّ الأزمة الراهنة، لكن المفاجأة التي يجب أن يعلمها اللبنانيون هي أنّ لدى القيادة ما يزيد عن 26 ألف طلب تطويع للالتحاق بالمؤسسة العسكرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على استمرارية ثقة الشعب بالقيادة وإصراره على رفد الجيش بالطاقات الجديدة رغم قساوة الظروف التي يعاني منها الضباط والجنود وأهاليهم، وهذا يعتبر استفتاءاً شعبياً لافتاً لصالح قائد الجيش في هذا التوقيت بالذات.

من حفل تسلم نظام طاقة شمسية مقدم هبة من السلطات الفنلندية إلى الجيش اللبناني

من إنجازات قيادة الجيش كفّ أيادي السياسيين عن الأمن وإفهام الجميع بمن فيهم “حزب الله” أنّهم لا يستطيعون الحلول محلّ الدولة لا في الأمن ولا في غيره، وما الحرب المتواصلة ضدّ آفة المخدِّرات إلاّ نموذج للحاجة إلى الدولة وشرعيتها، فالسلاح غير الشرعي مهما بلغ نفوذه يسقط في معادلات فرض القانون والعدالة وهي معادلة فشل فيها الحزب لأنّها تحوّله خصماً لبيئته وهذا خطّ أحمر. كما أنّ بعض الساسة ممن سبق أن اعتادوا على التدخّل في الشؤون العسكرية أصبحت أيديهم مغلولة عن هذه الممارسات وهذا ما يساعد على ترسيخ الأمن في المدن التي عانت سابقاً من التدخلات، وخاصة طرابلس ومناطق الشمال.

التطورات ترسم صورة قائد الجيش رئاسياً

ترسم التطورات الدولية والإقليمية ملامح الرئاسة الآتية وتشير إلى تقدّم خيار قائد الجيش، بينما أحرق باسيل كلّ سفنه في الداخل ولم يعد مسموعاً في الخارج، وهو يقف أمام خيارات ثلاثة أحلاها مُرّ: إمّا السقوط أمام “حزب الله” والقبول بمرشحه سليمان فرنجية، وإمّا القبول بالعماد جوزيف عون كمرشح تسوية وطنية لا يضع عليه “حزب الله” الفيتو وتسير به باقي القوى السياسية، أو أن يخرج من المعادلة بعد سقوط الحاجة إليه في هذا الاستحقاق.

شاركها.