شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب عارف العبد في المدن

بالغ وتمادى رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، في تسجيل أكبر نسبة من الأخطاء والخطوات الناقصة المتعمدة في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، التي اتخذت الرقم 12 من جلسات محاولة انتخاب رئيس الجمهورية المقبل، الذي سيخلف العماد ميشال عون.

فقد كشفت الجلسة مقدار الاستعلاء والازدراء الذي يمارسه رئيس المجلس على باقي النواب والأطراف السياسية المتخاصم معها، مع أن دور رئيس المجلس يحتم أن يكون موضوعياً وحيادياً ومتمسكاً بتطبيق القانون، لا مشجعاً على تجاوزه أو مبادراً لذلك.

إن الطريقة التي رد فيها الرئيس برّي على النائب ملحم خلف في بداية الجلسة، لم تكن لائقة، أو موفقة، أو مقبولة على الإطلاق. لا من حيث الشكل ولا المضمون.

ليس بالضرورة أن يتفق رئيس المجلس مع رأي النائب المتكلم أو المعترض، لكن من المحتم عليه، أن يحترم زميله الذي طلب الكلام، حتى لو لم يأخذ بوجهة نظره، وهذا ما لم يظهر في رد وطريقة تصرف رئيس المجلس، الذي يبدو أنه قرر رد الحساب للنائب الذي حول قاعة مجلس النواب مع زميلته التغييرية نجاة عون إلى جناح منامة احتجاجي. وقد فتح فتوحاً ربما يساهم في تحويل المجلس إلى “فندق صح النوم” أو “نزل السرور” لغيره من النواب خلال الأشهر المقبلة.

رئيس المجلس ظهر أمام الرأي العام أنه غير آبه بأي قيد، أو حدّ قانوني، أو أخلاقي أو شكلي أو ديمقراطي.

مجموعة من الأخطاء والسقطات ارتكبها الرئيس برّي في الجلسة الأخيرة، أولها، تجاوز وعدم الاهتمام بمسألة فقدان ورقة من أوراق الاقتراع.

صحيح كما قال إن هذه الورقة لم تكن لتؤثر على النتيجة النهائية. لكن الصحيح أن إعادة الفرز أو التصويت كانت ضرورية. وهو ما لم يتوقف أمامه الرئيس برّي وترك ثغرة لا يستهان بها في جدار رئاسة المجلس وممارستها القانونية، خصوصاً أننا في نظام ديمقراطي يقوم على الأكثرية والأقلية، ومسألة صوت واحد قضية مهمة يمكن أن تؤثر على النتيجة. وقد سبق أن حسمت نتيجة الاقتراع بفارق صوت واحد لصالح انتخاب رئيسٍ هو جد المرشح الحالي سليمان فرنجية عام 1970، كما أن طريقة التعاطي وتجاهل المطالبة بإعادة الفرز أو التصويت أشّرت إلى احتقار وتجاهل متعمد لمواقف النواب ومطالبهم ولتجاوز أبسط الحقوق، والواجبات، والالتزامات القانونية، والدستورية.

ثاني الأخطاء وكبيرها، أنه رفع الجلسة واعتبرها منتهية من دون اعتماد العد للتأكد من فقدان النصاب القانوني. كما أنه كان أحد المشجعين على خروج النواب ومخالفة أبسط الأصول في الانتخاب وعقد الجلسات.

في المحصلة يعكس تصرف رئيس المجلس إزاء باقي النواب والقضايا الأساسية المثارة، جانباً كبيراً من المعضلة التي يقع فيها لبنان في هذه المرحلة. وهي مرحلة الاحتكام إلى ما بات يعرف بفائض القوة المسيطرة في هذه الحقبة.

قد يكون من المفهوم أن يتشدد حزب الله صاحب السلاح، والممسك به خوفاً على دوره وسلاحه في مواجهة الممكن والمحتمل من النوايا العدوانية للأعداء على الحدود الجنوبية، ولكن من غير المقبول أن يستمر الرئيس برّي في هذه الطريقة المرفوضة للاستقواء على الآخرين المسالمين المجتمعين في بلد واحد، وإزاء مواطنين متساوين أمام القانون والعزل في الوقت نفسه من السلاح.

المفارقة أن الجلسة الأخيرة أفضت إلى ادعاء الانتصار من قبل الفريقين المتواجهين في العملية الانتخابية. الفريق المرشح والداعم للوزير السابق سليمان فرنجية والفريق المتقاطع على الوزير السابق الدكتور جهاد ازعور.

الفريق الداعم لفرنجية اعتبر نفسه منتصراً لأنه خفض من فارق الأصوات الذي كان محتملاً ورائجاً، ورفع الأصوات إلى جانب فرنجية. أما الفريق المتقاطع على أزعور فاعتبر نفسه أيضاً قد حقق الانتصار، لأنه تصدى وكسر إرادة الثنائي المرشح والفارض لفرنجية.

والراهن أن النتيجة التي أفضت إليها جلسة الانتخاب الأخيرة تؤشر إلى تمدد عمر الأزمة الراهنة إلى أوقات غير محسوبة الأيام أو النتائج والخلاصات.

كل المؤشرات تدل على أيام أزمة مديدة، لا أحد يعرف كيف ستكون نتيجتها والنهاية.

لكن الحقيقة المرة تقول، إن من تلقى الهزيمة النكراء لا هذا ولا ذاك من الأطراف، بل إن المهزوم الأكبر هو لبنان، كل لبنان، الذي أثبت فشل الالتزام بتطبيق الحد الأدنى من قوانينه ونظامه الديمقراطي المفترض، وتجاهل آمال شعبه المتهالك والبائس نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية والمؤسساتية المتنامية.

المقلق في هذه الأزمة أنها تحاكي تطورات سابقة شهدها لبنان في ما مضى. ولا يمكن تجاهل مقولة أن التاريخ يكرر نفسه المرة الأولى بشكل مأساة، والثانية بشكل ملهاة.

فقد سبق أن شهد لبنان بعد أزمة بنك انترا المالية وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية، احتقاناً سياسياً قوياً ومماثلاً للاحتقان الحالي، تمثلت بقيام وولادة ما عرف بالحلف الثلاثي 1968 بين الأحزاب المسيحية الرئيسية، أي الكتائب والأحرار والكتلة الوطنية، في مواجهة العهد الشهابي الذي كان مسيطراً وفي عز قوته.

والمفارقة الثانية أن الحلف قام يومها نتيجة مواجهة سياسية بعد انتخابات نيابية. والأزمة الراهنة تأتي أيضاً إثر آخر انتخابات نيابية منذ نحو سنة، أفضت إلى توزع القوى في المجلس الجديد وعدم وجود طرف يملك الأغلبية والسيطرة.

أما اليوم، فإن الأزمة الراهنة أفضت بدل “الحلف” بين الأطراف إلى ما سمّي “تقاطع” بين ورثة الأطراف المسيحية نفسها، ولكن مع تمثيل جديد ووجوه جديدة حلت مكان القديمة. فحزب الكتائب ما يزال موجوداً مع وليد من رحمه أو شقيق له هو القوات اللبنانية، كما يمكن اعتبار التيار الوطني الحر حصيلة تقاطع بين الكتلة الوطنية سابقاً والكتائب والأحرار.

المفارقة في هذا التقاطع مع أحداث الماضي أن الأزمة الراهنة فاقمتها نتائج الأخذ بقانون انتخاب الستين الذي أراده العهد الشهابي يومها، وهو قانون اعتمد الدوائر الصغرى على مستوى الأقضية، ما أجج الخطاب الطائفي والمذهبي، كما أن الأزمة الراهنة تنفجر بعد اعتماد قانون جديد للانتخابات على أساس النسبية والصوت التفضيلي المذهبي في دوائر صغيرة ومركبة وغير عادلة أو متساوية أيضاً.

تحاليل ودراسات أكاديمية كثيرة صدرت بعد اندلاع الحرب الأهلية حمّلت قانون انتخابات الستين مسؤولية التمهيد لحالة الاحتقان الطائفي والمذهبي يومها، التي أفضت إلى الحلف الثلاثي. وهنا لا يمكن تجاهل اعتبار أن قانون الانتخاب الأخير المعتمد حالياً قد ساهم أيضاً في إعادة نفخ وتظهير الحالة الطائفية والمذهبية بشكل عام والمسيحية الراهنة المتقاطعة والمعترضة في وجه قوة الثنائية الشيعية المسيطرة والحاكمة بشكل خاص.

المقلق، والذي يجب أن يتوقف أمامه المعنيون والمؤثرون في تطورات الأوضاع السياسية، أن أحداث ما بعد قيام الحلف الثلاثي في الستينات قد مهدت الطريق لانفجار المواجهة الداخلية عام 1975، ما يحمل معه احتمالات خطيرة وحساسة للمرحلة المقبلة، بعد هذا الاستعصاء السياسي الراهن والخطير، والذي قد يقود إلى آحداث مقبلة تحاكي احتمال عودة أشباح الماضي بكل كوابيسها.   

شاركها.