أحمد الأيوبي
لم يكن الأمر يحتاج إلى استحضار صورة جهاد أزعور إلى جوار الشهيد محمد شطح ليعلم الجميع بأنّ إرادة القتل حاضرة عندما تصل الأمور إلى حدود تهديد مسار المشروع الكبير للجمهورية الإيرانية في لبنان، بل جاء هذا المشهد ليؤكِّد أنّنا فعلاً في فم الوحش، وأنّ الجميع، بمن فيهم المحايدين والموادعين الذين يحتفظون بشيء من الوطنية في ذواتهم.. معرّضون للاغتيال. فالموادعة لا تشفع لهم لأنّ المطلوب نموذجٌ آخر من الرؤساء “وجه السحّارة” فيهم سليمان فرنجية لا رينيه معوض وبالتأكيد لا بشير الجميل أو حتى ميشال سليمان.
الأوقحُ والأخبث في هذا المشهد أولئك المتفاخرون من أدعياء الإعلام والسياسة، الذين باتوا يعتبرون التهديد بالقتل وسيلة طبيعية لـ”الإقناع” ولتغيير المعادلات، وتصوير التهديد نوعاً من الرأفة والرحمة حتى لا يقع القتل، فتُصانُ بذلك الدماء!
أصبح التهديد بالقتل والاغتيال أمراً طبيعياً في لبنان منذ زمن بعيد، لكن في الزمان الغابر، كان القاتل يحرص على نعي الضحية وعلى المشي في جنازتها. أما اليوم، فإنّ القاتل يعلن عن نفسه ويُشهر الشماتة بالضحية ويضحك ملء شدقيه ويوزع الحلوى احتفالاً بإزهاق أرواح الخصوم.

ذات موقف، قال سليمان فرنجية إنّه إذا كان لدى بشار الأسد مبرِّراتٌ لقتل وسام الحسن فذلك أمر مفهوم، وهذا الموقف يشبه تماماً ما يفعله إعلام الممانعة وساسته عندما يعلنون أنّه لن يصل إلى رئاسة الجمهورية إلاّ مرشحهم لأنّه يمثل ضمانتهم الخاصة بسلاحهم واستراتيجيتهم لاستكمال الإطباق على الدولة..
تـُشـكّل رئاسة الجمهورية بالنسبة إلى “حزب الله” في هذه اللحظة الإقليمية والاتفاق السعودي الإيراني استحقاقاً مصيرياً، فهو يريد اختزال إنجازاته ومكتسباته برئيسٍ يُعيد من خلاله تكوين السلطة لتكون مُسَخَّرةً للاستحواذ الكامل على الدولة ولإقصاء معارضيه والتنكيل بهم مع استنتساخ النموذج الإيراني في الحكم: انتخاباتٌ محكومة بمرشح واحد وعسكرةٌ للمجتمع وضربٌ للديمقراطية وإزهاقٌ للحريّات وتغييرٌ في طبيعة الكيان وإزالةٌ للتوازنات في الدولة.
خلال ولاية ميشال عون، كانت هناك مساحةٌ لرئيس الجمهورية في الدولة: الجيش والوزارات والإدارات العامة والقضاء نزولاً إلى التنازع على حراس الأحراج، وبغضّ النظر عن الطائفية التي تعاطى فيها عون ومعه جبران باسيل في إدارة هذه المواقع، لكنّ الواضح أنّ أحد أهمّ أهداف “حزب الله” من فرض رئاسة سليمان فرنجية، هو تقليص المساحة الخاصة برئاسة الجمهورية في الدولة لصالح التوزيعة التي يريدها الحزب لاستكمال استحواذ قبضته على الدولة، فمع فرنجية تصبح الكلفة أرخص بكثير، ويمكن إرضاؤه بأبخس الأثمان.
تبرز أهميّة هذه المقاربة بالنسبة إلى “حزب الله” من خلال تجربة القاضي طارق البيطار في عمله على قضية جريمة تفجير مرفأ بيروت واضطرار الحزب لسلوك طريق التهديد المباشر بـ”قبع” الرجل بعد فشل مسلسل الالتفاف الطويل على إجراءات القضاء إلى درجة الاستعداد لإشعال الفتنة جهاراً نهاراً في غزوة الطيونة عين الرمانة.
مع فرنجية، يمتلك فرنجية ناصية القرار في الجمهورية، وبإمكانه إحداث التغيير الشامل الذي يريده في جميع مفاصل الدولة، من دون مقاومة تُذكر، خاصة أنّ وصول هذا المرشح سيعني حكماً تحقيق معادلة الغلبة على سائر اللبنانيين، وتشكيل حكومة مطواعة، أحد مرشحيها النائب فيصل كرامي، وهذا سيفتح الباب على ضرب التوازنات في البلد على جميع المستويات.
ذكرت التسريبات من أوساط “حزب الله” أنّ قيادته عرضت على جبران باسيل ما يشاء من مناصب ومواقع وأثمان مقابل تأييده لسليمان فرنجية، وهذا يدلّ على أنّ الحزب يتصرّف بالدولة على أنّها ملكيّة خاصة يـَهـَبـُها لمن يشاء ويحجبُها عن من يشاء، وهذا يؤكِّد أنّ كلّ السياق محكومٌ بالهيمنة التامة، وربما يكون هذا أحد أسباب نفور باسيل من الحزب.
لا يريد “حزب الله” أن يسمح بأن تستعيد الدولةُ أنفاسها، لذلك، فهو مستعدٌّ لخنق أي بادرة توحي باحتمال الإبقاء على روحية الدولة ولو بحدودها الدنيا، لذلك كانت مناورته العسكرية في الجنوب، واستحضاره الأحزاب العقائدية التي لا تعترف بالكيان اللبناني (القومي والبعثي) لتشريع سلاحها من الجنوب نحو الداخل، في صورة سبقت التهديد للمرشح جهاد أزعور، وكانت موجهة لجميع اللبنانيين.
قد لا يكون جهاد أزعور المرشح النموذجي لرئاسة الجموهورية لكنّ ترشيحه أحدث الخطوة الناقصة في المشهد الرئاسي وهو يحظى الآن بتأييد كتل مسيحية وإسلامية ومستقلة وازنة، ولولا أهمية هذا التقدّم لما خرجت عناوين التهديد الوقحة بالقتل، لكن يبدو أنّ مفعولها بات أقلّ فاعلية وستحتاج للتأثير أكثر من صورة وأكثر من قمصانٍ سوداء لأنّ هيبة السلاح سقطت إلى غير رجعة.

