
طارق الحجيري
انتهت القمة العربية في جدة وفق ما تصوره أغلب المتابعين للشؤون العربية والإقليمية والدولية حيث لم تغادر يوما مربع الإنشاء اللغوي والشكليات البروتوكولية فيما الرابحون – إن وجدوا – دائما وراء الصورة خلف الكواليس .
في حسابات الربح والخسارة وبمعاينة دقيقة لمشاهد قمة جدة ومقاييسها يمكننا بسهولة رؤية رابحين اثنين وخاسر أوحد .
الرابح الأول وبلا منافس هو ولي عهد السعودية رئيس حكومتها الأمير محمد بن سلمان الذي يزداد كل يوم امساكا بمقاليد ومفاصل الحكم في المملكة وقيادة سفينتها بحنكة ودراية نحو رؤيته ٢٠٣٠ الشاملة للتطوير والحداثة والتنمية والسير بركب الأمم المتطورة .
شكلت قمة جدة بالنسبة للأمير الشاب تتويجا لمسيرته نحو تصفير المشاكل وفتح قنوات الحوار وبناء جسور التواصل مع الجميع وخاصة بعد الاتفاق مع ايران برعاية الصين فكانت التهدئة في اليمن ثم استضافة طرفي النزاع السوداني بالاضافة لمساعي وقف الحرب الروسية على اوكرانيا ثم عودة سوريا للجامعة العربية بعد طردها لسنوات بسبب جرائم وموبقات نظامها السفاح .
الرابح الثاني هو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي ظهر بصورة الرئيس البطل الذي يجوب العالم دفاعا عن بلاده وشعبه اللذان يتعرضان لاعتداء وعدوان روسي غاشم في سعي لتكريس مبدأ القوة والاعتداء المسلح .
خاطب زيلينسكي القمة والعالم بلسان الإنسان المواطن الذي يتمسك بقوة الحق في الدفاع عن الأرض والحياة والثروات الوطنية وحق الشعوب في مجابهة الغزاة المحتلين الاستعماريين .
فيما مشاركة رئيس النظام السوري بشار الأسد شكلت غصة كبيرة لكثير من الشعوب والمواطنين العرب الذين يحلمون منذ سنين برؤية الطغاة القتلة المجرمين ينالون عقابهم العادل خلف القضبان ،، هذه المشاركة لم تشكل صفحا كاملا عن جرائم هذا النظام بعدما نص البيان الختامي للقمة على مواجهة التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية وعلى الرفض الكامل لتشكيل الميليشيات والجماعات المسلحة وقد عاثت فسادا ودمارا وقتلا وتخريبا في كل مناطق سوريا .
الخاسر الأوحد هو الشعب العربي من المحيط للخليج الشعب المثخن بجراح حكامه القتلة المجرمين الذين يحتلون كراسي السلطة ولا يبارحونها الا على انهار الدماء والدموع واكوام الجثث والأشلاء .
الشعب العربي لم ينتظر يوما من القمم العربية المتعاقبة قرارا واحدا في التنمية المستدامة والتطوير والتحديث وبناء الانسان ومستلزمات العيش الكريم من أنظمة لا تستحدث سوى وسائل القتل والتشريد والدمار لتأبيد بقائها في الحكم .
الشعب العربي كان وما زال وسيبقى غير مبالي بكل القمم العربية التي تجتر الكلام والانشاء والشكليات نفسها ويعرف أن بيان كل قمة سيتمنى أن تكون القمة المنعقدة نقطة انطلاق للعمل العربي المشترك .
أما الشعب اللبناني فلا زال يحلم بمحو أثار إحدى قمم العرب في القاهرة التي أباحت حدود بلده للسلاح خارج الشرعية وساهمت في
نشوء وقيام الميلشيات والعصابات المسلحة فهدمت اساسات الدولة ولا زالت واقفة على انقاضها تغتال أي حلم وأمل بقيامها مجددا .
قمم قمم قمم عربية.. لكن بلا أي قرار او جدوى بلا أي فعل في سبيل الشعوب العربية في مجالات التنمية والبناء والاستشفاء والتعليم وحبذا لو تتوقف قمم العرب وتصرف تكاليفها على جياع العرب ومرضاهم ومشرديهم في مخيمات اللجوء والنزوح والذل والتشرد .
