” بعد وجود حافل ومميز للجالية العربية في اليونان، نرى أنه حان الوقت لمشاركة الجالية العربية في المجالين الاجتماعي والسياسي بشكل منظم وجماعي. ونظرًا الى هذا الحضور العربي العريق الذي يمتد إلى أكثر من خمسين عامًا، نرى أن فرص نجاح هذه المشاركة جيدة وتستحق خوض التجربة.
ولأنه من المؤسف جدًا أن تكون جالية بهذا العدد الكبير وما تحتويه من كفاءات وشخصيات لها حضورها العلمي والمهني الكبير، أن تكون هذه الجالية بهذا القدر الواضح من الضعف والغياب عن الساحة العامة، كان لا بد من محاولة تغيير هذا الواقع الذي لا يخفى على أحد.
ولأن الاستمرار في نهج العزلة والسلبية لن يؤدي إلا إلى المزيد من التردي والتراجع والتشرذم لجاليتنا، فإن التحرك في الميدان الاجتماعي والميدان السياسي يشكل ضرورة لا بد منها وحركة إنقاذ لنا ولأبنائنا في هذا البلد.
ولأن غيرنا من الجاليات الأحدث عهدًا والأقل عددًا، قد قام بتجارب تعتبر جيدة، ونجح في إقامة مؤسسات تربوية واجتماعية جيدة، نرى أننا لسنا أقلّ كفاءة من تلك الجاليات ولا أقل ذكاءً منها، ويمكننا تحسين وضعنا بشيء من الصبر والتفاني واتباع سياسة النفس الطويل.
نحتاج إلى شيء من الثقة بالنفس وخوض التجربة، مهما كانت النتائج. فالنجاح الكبير لن يأتي من أول خطوة، كما أنه لن يأتي من عدم القيام بأي خطوة. ولدى جاليتنا فرصٌ كبيرة للنجاح وتحقيق أهداف ترفع من شأنها في الساحة اليونانية. “
بهذه الكلمات توجهت مجموعة المبادرة العربية إلى أبناء الجالية العربية في اليونان بخطابها الأول، وذلك بهدف تشجيعها على الانخراط الجماعي في العملية الاجتماعية والسياسية في البلد.
المبادرة العربية، التي تضم طيفًا من أبناء الجالية العربية من بلاد شتى، اختارت أن تتحالف في الانتخابات المقبلة مع حزب ” ميرا 25 “، وهو حزب يساري أسسه وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس وبعض رفاقه قبل سنوات قليلة، وله اليوم ٦ نواب في البرلمان اليوناني. يتبنى الحزب أطروحات حماية الطبقات الفقيرة من سياسات الخصخصة وفرض المزيد من الضرائب.
وكان رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس قد أشار إلى تاريخ 9 أبريل المقبل كموعد للانتخابات، دون التزام رسمي بهذا التاريخ.
وجود عربي تاريخي في اليونان

أول وجود جماعي للجالية العربية في اليونان كان في سبعينيات القرن الماضي، وكان عبارة عن مجموعات طلابية من بلاد عربية مختلفة انخرطت في عمل طلابي وسياسي وأسست اتحادات طلابية كان معظمها مدعومًا من أنظمة عربية.
وكان الوجود العربي الرسمي واضحًا في تلك المدة، فكان هناك مكتب لجامعة الدول العربية وآخر للمقاطعة كان لا يتساهل في أي تعامل تجاري بين اليونان والكيان. وكان هذا الوجود الرسمي لا يخلو من مناكفات ومكايد مؤسفة بين ممثلي الأنظمة العربية كانت تقلل أهميته وتأثيره.
وكان ممثلو الطلاب على علاقة وطيدة بسياسيي تلك الحقبة مثل أندرياس باباندريو وكبار أعضاء حزب باسوك، كما كانت اليونان على علاقة قوية بأكثر من نظام عربي. هذه العلاقات العربية اليونانية تراجعت في حقبة التسعينيات مع فوز حكومة يمين الوسط برئاسة قسطنطين ميتسوتاكيس الذي اعترف بالكيان بشكل رسمي، ثم مع عودة باسوك إلى الحكم برئاسة كوستاس سيميتيس الذي عُرف عنه أنه أدار ظهره للعالم العربي بشكل واضح، واهتم حصرًا بإدماج اليونان في المؤسسات الأوروبية.
ومع تراجع العلاقات الرسمية بين اليونان والعالم العربي، تراجعت مكانة الجالية العربية داخل اليونان مع الأحزاب السياسية والمجتمع اليوناني، حتى أصبحت من أقل الجاليات تأثيرًا وحضورًا في اليونان.
دواعي المشاركة الجماعية


عن دواعي المشاركة الجماعية في الانتخابات المقبلة وفي الحياة السياسية عمومًا، قال شادي الأيوبي، منسق المبادرة العربية والمرشح للمقعد النيابي عن منطقة وسط أثينا، إن المشاركة السياسية والاجتماعية هي السبيل الوحيد لتحقيق أهداف مصيرية للجالية، مثل إنشاء مدرسة ومقبرة للجالية في أثينا، وهي الطريقة الوحيدة ليكون للجالية رأي في القضايا التي تخصها بشكل مباشر، فيما لا يؤخذ منها رأي فيها بأي شكل.
وقال الأيوبي إنه لا بد للجالية العربية من التحرك في المجالين الاجتماعي والسياسي لحماية نفسها من سياسات الحكومة اليمينية التي أصبحت أقرب إلى الحكومات الشمولية في التعدي على حقوق الإنسان، لا سيما الأجانب منهم، كما أن خطر عودة الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى الساحة السياسية ودخولها إلى البرلمان لا زال موجودًا بقوة، وهناك توقعات بمشاركة هذه الأحزاب في الانتخابات المقبلة.
وقال إن المشاركة ستكون بداية للفت نظر الأحزاب السياسية اليونانية إلى قوة الجالية الانتخابية وحضورها الاجتماعي، وهذا يشكل عامل قوة وجذب للقوى السياسية الصديقة أو المحايدة، وعامل ردع في الوقت نفسه للأحزاب المعادية للأجانب والمسلمين.
لماذا حزب ” ميرا 25″ بالذات ؟

وأضاف أن لحزب “ميرا 25” مواقف جيدة جدا من قضايانا العربية مثل القضية الفلسطينية، كما أن له موقفا معتدلاً من الإسلام والحضارة الإسلامية، ويعتبر أحد التشكيلات السياسية الصغرى التي دخلت للمرة الأولى إلى البرلمان اليوناني، وهو، بالتالي، بحاجة كبرى إلى أصوات تدعمه لضمان دخوله إلى البرلمان مجددًا. أي أن حاجته إلى أصوات الجالية العربية – أو أي جالية أخرى – كبيرة وواضحة.
وأوضح أن الحزب لا يزال الحزب بعيدًا عن البيروقراطية الحزبية الموجودة لدى الأحزاب الكبرى تجاه الأجانب، والتي تجعلها تشعر أنها لا تحتاج أصواتهم ودعمهم.
وقال ” إننا نطمح إلى تنشيط الجالية العربية في مجال الاندماج الاجتماعي والتفاعل السياسي عبر سلسلة من نشاطات التوعية في المجالات السياسية والاجتماعية والتاريخية اليونانية، وإلى مساعدة الجالية في المجال الاجتماعي من خلال تشكيل جهاز بسيط للمساعدة في حل مشكلات أبناء الجالية مثل الأوراق والحالات الصحية الخطيرة وغيرها، وإلى تدعيم حضور الجالية في المجال اليوناني العام.
في المقابل، سنسعى إلى دعم الحزب في الانتخابات المحلية والأوروبية بأصوات الجالية العربية، وإلى مشاركة أبناء الجالية العربية في فعاليات الحزب الجماهيرية والنخبوية، مع التركيز على فكرة التعاون مع الحزب على مستوى اليونان بأكملها، لا أثينا وحدها، حسب الأيوبي.
واختتم قائلاً إن ” دخول الجالية العربية إلى جانب الحزب سيكون بمثابة دم جديد في السياسة اليونانية عمومًا وسياسة الحزب خصوصًا”.
