شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

تتنوّع الانتهاكات بحق الصحافيين في لبنان، وقد تبدأ بحملات تحريض على مواقع التواصل الاجتماعي ضد صحفيين وناشطين، مروراً باستدعاءات وملاحقات قضائية وتهديدات واعتداءات، وصولاً إلى الحجب وأحياناً الاغتيال، لكنّها تلتقي كلّها على هدفٍ واحدٍ: تكميم الأفواه، وإسكات الأصوات التي تدافع عن قضايا المجتمع وتفضح ملفات الفساد، بحسب ما أكد المسؤول الإعلامي في “مؤسسة سمير قصير” جاد شحرور، في اتصال مع “جسور”.

ويبدو واضحا أنّ واقع الحريات يشهد تراجعاً في لبنان، ليس فقط على صعيد الصحافيين، بل كل من يتولى الدفاع عن قضايا المجتمع ويفضح الملفات أمام الرأي العام، وهو ما طاول أخيراً نقابة المحامين في بيروت التي فرضت الإذن المسبق لإطلالات المحامين. هذا فضلا، عن التضييق الحاصل على التغطيات الإعلامية في المناطق الخاضعة للنفوذ الحزبي، كما في جنوب البلاد، حيث مُنع صحافيون من الاقتراب أو تصوير أو تغطية مجموعةٍ من الأحداث، من ضمنها اعتداءات من جهات رسمية وأفراد حزبية أو مناصرة للأحزاب لها مركز قوة في المنطقة أو البلد.

دعاوى قضائية

وفي هذا السياق، يبيّن شحرور أن “مشهد الدولة البوليسية في لبنان اكتمل”. ويقول لـ”جسور”: “كمؤسسة وثّقنا ورصدنا، منذ عام 2017 وحتى اليوم، 800 انتهاك، أنه رقم غير مسبوق، في لبنان مقارنة بفترات ماضية”.

وإذ يلفت الى انه “خلال الأعوام 2020 و2022 انخفضت الأرقام قليلا، بسبب تفاقم الأزمة السياسية – المالية في البلاد”، لا يخفي ان “الاعتداءات والانتهاكات الإعلامية والثقافية وصلت، خلال الأعوام الستة الأخيرة، الى حدود القتل والاغتيال عبر أوجه مختلفة من الاعتداءات الدموية، لاسيما بعد عام 2019”.

هذه الأوجه المختلفة من الانتهاكات أبرزت، وفق شحرور، دورا لافتا للميليشيات الحزبية في ممارسة عدد كبير من الاعتداءات على ناشطين ومفكرين وصحافيين، تماما مثلما تعددت الأشكال من تسريب أرقام الهواتف وممارسة التهديد وتوجيه رسائل الوعيد وتكسير معدّات بعض الفرق التلفزيونية الإعلامية، وصولا الى الاعتداء المباشر على عدد لا يستهان به من الإعلاميين، مباشرة على الهواء.

ويعلّق شحرور: “ما يقلقنا كمؤسسة ان كل هذه الاعتداءات بقيت بلا محاسبة، مما عزز أكثر ظاهرة الإفلات من العقاب.”

ويؤكد شحرور أنّ كل ما ورد يدل على أنّ ذهنية القمع لا زالت موجودة عند النظامين الأمني والحزبي، والإصرار على كمّ الأفواه ضد أي صحافي يكشف عملية فساد معيّنة لا زال يمارس بشكل علني.

29 ضحيّة

ويكشف شحرور أنه خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي أي حتى شهر أبريل/ نيسان الماضي، سُجّل 17 انتهاكا، من ضمنها 29 ضحية، فضلا عن عشرة ملفات قضائية من نوع الاستدعاءات.

وهذه اللائحة تُعتبر وفق شحرور كبيرة جدا في فترة زمنية محدودة، مما يعني أن النمط لا يزال سائدا. ونحن حين نرصد او نرفع الصوت، نريد التأكيد ان معركة الحريات ليست مهنة انما هي جزء من المواطنة الحقيقية، وهي مسألة رأي عام ينبغي أن يتبناها الشعب كحق لا يتجزأ من حقوقه كمواطن”.

ومن المعلوم ان “مؤسسة سمير قصير” ترصد وتوثق الانتهاكات في تقارير شهرية، وأحيانا كثيرة ضمن ملفات متخصصة، أي أنها تفصّلها كمحاور، منها مثلا محور القضاء، محور الأحزاب الميليشيوية، محور الاستدعاءات الامنية وغيرها، والاهم انها تتابع توثيق الحالات لمعرفة تداعيات الاعتداءات او تكرارها، حتى على الشخص الواحد.

ويستنتج شحرور ان “لبنان ومنذ عام 2019، استوفى شروط الدول البوليسية، من حيث الممارسات التي اعتمدت عبر القمع والاسكات والاستدعاء عبر القضاء او عبر الاجهزة او عبر الميليشيات. لقد باتت هذه العناصر الثلاثة مطواعة لخدمة واحدة هي التنكيل بالحريات. ويزداد الوضع سوءا اذا اخذنا ثلاثة نماذج فقط او حوادث هي، الحدث الاول: انفجار المرفأ، وما تلاه من كشف للكثير من الحقائق عبر الصحافة الاستقصائية مقابل عدم تحرك النيابة العامة تجاه اي من الملفات. الحدث الثاني: اغتيال لقمان سليم. والحدث الثالث: الممارسات التي اعتُمدت من قِبل القاضي غسان عويدات. كل ذلك، يظهر اننا في قلب الدولة البوليسية بامتياز”.

تضيّيق وتهميش

بدوره، رأى الصحافي علي حمادة، أنّ الصحافة اللبنانية في أزمة كبرى، رغم تمتّع لبنان بهامش من الحرية في التعبير مقارنة بالبلدان العربية المحيطة به، لكن لا زال الصحافيون يتعرّضون للتضيّيق والتهميش والتعامل الفوقي من قبل السلطات الأمنية أو حتى من المسؤولين الرسميين.

ويوضح حمادة في تصريح لـ “جسور” أنّ التحدي الإقتصادي كبير جدا، فالأزمة عاصفة بكل المجتمع اللبناني وبجميع السلطات لا سيما السلطة الرابعة وهذا ينطبق على الرواتب وعلى إمكانية تحسين مستوى معيشة الصحافي، لافتا إلى غياب القوانين الفعليّة التي يُفترض أن تحمي الصحافي.

وتابع: “الصحافيون من خارج الصحافة التقليدية، وهم أصبحوا الأكثرية تارة يلاحقون وفق قانون معين وطورا وفق قانون آخر، فقانون المطبوعات لا ينطبق إلا على الصحافة المكتوبة، وهذا أمر يجب أن يعمّم على كل الصحافة، أضف إلى ذلك مشكلة الحماية الإجتماعية، فحوالي 95% من الصحافيين الذين يعملون في شتّى أنواع العمل الصحفي لا يتمتّعون بالحماية الإقتصادية والإجتماعية أو حتى الصحيّة، ومعظم الذين يعملون في الصحافة الحديثة لا يتمتعون أيضاً بالتغطية الإجتماعية وهذا يضعفهم،” وفق حمادة.

وفي ما بيّن أنّ الصحافة التقليدية انهارت اقتصادياً بشكل عام، أكد حمادة أن قطاع المرئي والمسموع يعاني من مصاعب جمّة ولولا الدعم المادي السياسي لكان انهار بشكل نهائي، أما الصحافة الإلكترونية فبعضها يتمتّع بتمويل من أصحابه، في ما البعض الآخر على حافة الإنهيار وإمكانية أن تتموّل الصحافة من لعبة السوق في لبنان شبه معدومة وبالتالي الحريات مهدّدة دائما بالمعطى الإقتصادي ومصير مهنة الصحافة مهدد دائما في لبنان لأن الصحافي الذي يرغب أن يعيش مهنته بالكامل قد يُدفع دَفعا إلى تغيير مهنته والذهاب إلى مكان آخر.

ويرى حمادة، أن الصحافة تحتاج إلى قوانين جديدة تحمي الصحافيين ومصادرهم وتمنع الملاحقات الجزائية وتحوّل القدح والذم إلى مسؤولية مدنية، فضلا عن تفعيل قانون الوصول إلى المعلومات، لتتوفر المعلومات والبيانات التي تمكن الصحافيين من المتابعة المعمقة لملفات الفساد، وكذلك قانون استقلالية القضاء لمتابعة ما يكشفه الصحافيون.

التضليل نجم هذا العام

وكانت منظمة “مراسلون بلا حدود” أشارت في تصنيفها السنوي لحرية الصحافة في دول العالم وفقاً لمؤشر حرية الصحافة العالمي إلى أن الصحافة “لا تزال تئن تحت وطأة السيطرة الخانقة في الشرق الأوسط، سواء على أيدي الأنظمة الاستبدادية أو بفعل الرقابة التي تفرضها المليشيات على وسائل الإعلام، حيث يُعتبر وضع حرية الصحافة (خطيراً للغاية) في أكثر من نصف دول المنطقة”.

وفي نسخة هذا العام، يبدو التركيز كبيراً على “خبايا آلة التضليل الاعلامي في النظام الرقمي العالمي وآثارها المهولة على حرية الصحافة، ففي 118 بلداً، أي ثلثي البلدان التي شملها الترتيب، أشار أغلب المشاركين في الاستبيان إلى ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليلية واسعة النطاق أو في عمليات دعائية كبيرة في بلدانهم”.

المصدر : جسور

شاركها.