شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مسؤوليتكم الشرعية تـُحَتـِّمُ عليكم أخذ المبادرة وقيادة التغيير

كلّ تأخير في إعلان الموقف يخدم الانقلابيين ويهدِّد مستقبل أهم مؤسسات المسلمين

أحمد الأيوبي

لم يعد اختطاف جمعية المقاصد الإسلامية من رئيس وأعضاء “مجلس أمناء الأمر الواقع” بحاجة إلى كبير شرح حول الوقائع والمسار والنتائج والمخاطر المستقبلية على الجمعية الأعرق للمسلمين في لبنان، فكلّ شيء بات واضحاً، لكنّ الإشكالية تكمن في الانتظار وتمرير الوقت الذي تعتمده مراكز قرار سياسية تقوم بالتدخّل في هذا الملف، مما يعطي فيصل سنّو ومجلسه الانقلابي المزيد من الوقت والفرص لتعزيز انقلابهم وتمكين فريقهم في الإدارة والهيئة العامة، باستخدام موارد الجمعية في الاستقطاب والدعاية وشراء الذمم، بينما يبقى موقف دار الفيصل في حسم هذا الصراع.

إجماعٌ على رفض انقلاب فيصل سنّو “الفرنسي”

هناك إجماع إسلامي على أنّ فيصل سنّو وفريقه ينحرف بالمقاصد عن مقاصدها ويعمل على إدراجها في مشروعٍ تغريبي فرنسي له أبعاده الفكرية المعادية للإسلام ربطاً بالتعاون مع إدارةٍ فرنسية متطرفة في محاربة الإسلام واضطهاد المسلمين في فرنسا والعالم، فكيف يُعقل أن تكون إدارة مانويل ماكرون تعلن الحرب على الحجاب وسائر القيم الإسلامية، ثمّ تقبل بها في مؤسسات المقاصد؟

يكمن الجواب على هذا السؤال في مسار الانحراف الذي بدأه فيصل سنّو وفريقه في المقاصد من حيث الشكل أولاً، باستهداف الشعار والرموز الإسلامية وتغيير واجهة مؤسسات الجمعية بشطب أسماء الصحابة وأمهات المؤمنين رضوان الله عليهم عنها، فهذا ليس بالأمر البسيط، بل له مدلولاته الخطرة لأنّه يفتح الباب أمام تفريغ مناهج المقاصد الإسلامية تدريجياً من مضمونها.

موقع دار الفتوى في المسؤولية

من هنا كان السؤال الأهمّ في هذه القضية أين موقف دار الفتوى من مستجدات وتطورات قضية استيلاء فيصل سنّو على المقاصد، لأنّ الأمر يتعلّق مباشرة بمصير وقف إسلامي عريق خرّج آلاف القيادات الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية.. وكان له دور في صيانة الوجود الإسلامي على مدى عقود مرّت شهد فيها المسلمون تحوّلات هائلة منذ انهيار الخلافة العثمانية ثم الاحتلال الفرنسي فالاستقلال وتحديات إدارة العلاقات مع الشركاء في الوطن.

آمال المسلمين معقودة على المرجعية الدينية

لهذا كلّه يتطلّع المسلمون اليوم إلى موقف دار الفتوى، في هذه المرحلة من الصراع بعد أن أدلى سماحة أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي بموقف الدار الواضح الحازم الصارم وغير القابل للتأويل أو التعديل، ثمّ تلا ذلك المقاطعة التامة لإفطار فيصل سنّو ومجموعته حيث قاطع سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان هذه المناسبة، بينما كان حريصاً على تمثيله في إفطار رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في معراب، حيث حضر أيضاً ممثلون عن مفتي المناطق.

إنتهى وقت المفاوضات.. فما الخطوة التالية؟

هذا الموقف التأسيسيّ الهام من دار الفتوى لم يعد كافياً اليوم، لأنّ الوقائع تشير إلى فشل جميع الوساطات والتدخلات لدفع فيصل ومجموعته إلى التراجع وتصحيح المسار، وهذا الأمر ينبغي أن يكون واضحاً ومعلناً للجميع، وهذا يدفع للسؤال: ماذا بعد تعنّت الانقلابيين وتمسّكهم بمشروعهم المشبوه؟

حاوَلَتْ بعضُ المرجعيّات التسويق لاستبدال فيصل بآخر من مجلس الأمناء المؤيِّد به، لكنّها محاولة ساقطة سلفاً ولن تصل إلى نتيجة، وما يجري حالياً هو تجميد للموقف والمبادرة المطلوبة بدون أيّ سببٍ مُقنِع، لأنّ المطلوب هو استجماع الهمم والتحرّك وإعلان النفير لإنقاذ المقاصد بإقصاء الإنقلابيين من إدارتها ووقف هيمنتهم عليها.

إعلان دار الفتوى النفير بداية التصحيح لتحريرالمقاصد

صحيح أنّه من حيث الشكل لا يمكن إقالة رئيس وأعضاء مجلس الأمناء الحاليين من الخارج، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ رفع دار الفتوى الغطاء عن هذه “شلّة السوء” هذه وقيادة حملة الضغط الكبير عليها للإستقالة سيؤدي في النهاية إلى خروجها من الإدارة، لأنّ هذا النفير يجب أن يشمل جميع المسلمين بمختلف شرائحهم وتوجهاتهم ومناطقهم مع التركيز على بيروت، وأن تشمل خيارات النفير من أجل المقاصد التظاهر المتواصل الضاغط ومنع فيصل سنّو من ممارسة أيّ صلاحية في إدارة الجمعية تحت سقف القانون الذي يسمح بالتظاهر والاحتجاج السلمي.

هذا النفير سيكون ضرورياً في الفترة المقبلة، ودار الفتوى وسماحة مفتي الجمهورية مسؤول عن إنهاء فترة السماح والتفاوض والانتظار والانتقال إلى المواجهة الحاسمة، وهو قادرٌ على تخطّي الضغوط السياسية والشخصية التي يمارسها حُماة فيصل سنّو وهو أكبر من هؤلاء وأقوى منهم، خاصة عندما يأخذ المبادرة فيُضطرون للاصطفاف خلفه ويوقفون مناوراتهم الممجوجة.

يا سماحة المفتي الأكبر

إنّ مسؤولية إنفاذ المقاصد في عُنُقك، وهي أمانة ثقيلة، ونحن نعلم أنّك أهلٌ للأمانة، والمسلمون ينتظرون منك الخطوة الحكيمة الحازمة بكفّ أيدي السفهاء عن مؤسسات المسلمين، وأنتم تعلمون أنّكم ستجدون الأغلبية الساحقة منهم واقفة معكم في كلّ خطوة تخطونها لاستعادة المقاصد..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. رواه مسلم.

وإنّ ما يفعله فيصل سنّو منكرٌ صريحٌ وواضح يرفضه عموم المسلمين، وفي يديكم القدرة على إزالة هذا المنكر لأنّكم المرجعية القادرة على جمع كلمة المسلمين وعلى رفع الغطاء عن المفسدين والدفع نحو إخراجهم من موقع القرار قبل أن يتحوّلوا إلى سرطان يضرب كامل الجسم المقاصديّ..

يا سماحة المفتي الأكبر

لا شكّ أنّكم تعلمون أنّ الحكمة تقضي باستخدام الحزم مع من لا يفهم لغة النصيحة والحوار ويعتبرها ضعفاً وعجزاً فيستقوي بما ترونه صبراً ورويّة لتأخذه العزّة بالإثم ويزداد تجذراً مستفيداً من مرور الوقت من دون تعرّضه لما يلزم من ضغوط جادّة تزيحه عن موقع استولى عليه في غفلة من عيون أهل المقاصد.

أمّا أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ومنهم قلّة قليلة تعاطفت مع فيصل سنّو فإنّهم مسؤولون عن الالتفاف حول موقف سماحة مفتي الجمهورية والدّفع نحو الانتقال إلى المواجهة الحاسمة لتحرير المقاصد ممّن يحتلون قرارها ويشوِّهون مسارها..

إنّكم مسؤولون..

لهذا كلّه، آن الأوان لكسر الانتظار وتنفيذ النفير لإنقاذ المقاصد وكلّ من يتخلّى عن هذه المسؤولية مسؤول أمام الله تعالى ثم أمام المسلمين، عن ضياع مستقبل مؤسّسة وحصن للأجيال المسلمة، ومن المسؤولية الشرعية الإقدام وكلّ من لا يجد في نفسه القدرة على المبادرة عليه إفساح المجال لمن يستطيع حسم هذا الأمر في أقرب الآجال.. وحتى ذلك الحين، سيكون الأحرار في متابعة حثيثة لموقف المسؤولين ولن نتأخـّر عن المتابعة والتدقيق في مسار هذه القضية حتى النهاية المطلوبة بفتح صفحة جديدة ناصعة من مسيرة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية.

شاركها.