شهدت التطورات اللبنانية والأندية السياسية الرسمية والخاصة، في الأيام والساعات الماضية، وتحت شعار إجراءات وتدابير المعالجة الطارئة، حالة من انفلات الأفعال المتناقضة والغريبة في كل الاتجاهات، بشكل غير مسبوق أو معهود في أي مرحلة من المراحل السابقة.
من مجلس النواب وقراراته الشعبوية الغريبة، مروراً بالشارع الذي يعكس ويحمل أوجاع ومعاناة المواطنين، وانتقالاً إلى الحكومة المتهالكة، والمصرِّفة للأعمال بصعوبة وشق النفس، وصولاً إلى كل طرق المعالجة المتبعة، والتي تبدو وكأنها خبط عشواء لتعبئة الفراغ بالضوضاء، والحركة من دون بركة أو أي نتيجة فعالة، سوى إضافة المزيد من الارتباك والأعباء المتفاقمة والمتراكمة، وكان آخرها ما يحدث في نقابة المحامين من محاولة لإلغاء دور مؤسسة قامت على حرية الرأي والقول والدفاع عن المستهدفين المظلومين.
ففي موضوع الانتخابات البلدية، تشكلت وتكونت منذ مدة، لدى أغلبية القوى السياسية قناعة قوية، بضرورة عدم إتمام هذه الانتخابات في الوقت الراهن، وخصوصاً في ظل الشغور الرئاسي والوجود الحكومي غير المكتمل المواصفات.. لأكثر من سبب، أبرزها عدم قدرة واستعداد آلة الدولة المنهكة والمترهلة والمرتبكة على إنجاز هذه الخطوة بإتقان وحرفية أو مهنية مقبولة، انطلاقاً من انتفاء وجود الإمكانات المادية واللوجستية المطلوبة، من جهوزية الموظفين وثقل وارتباك حركتهم وسط تفاقم العجز المادي الحالي، مروراً بانعدام الإمكانيات اللوجستية، انطلاقاً من صعوبات في أمور بسيطة وعادية. ليس أولها تأمين طوابع رسمية، مروراً بعدم وجود أوراق إنجاز المعاملات البسيطة، كمثل أوراق إخراجات القيد والسجلات العدلية، وصولاً إلى أجور المعلمين والقضاة وتأمين حركة وتنقل الموظفين، إلى تأمين الحاجات الأمنية البسيطة. أضف بأن البلديات، حتى لو كانت منتخبة، هي شبه مفلسة أو عاجزة عن الحركة بصناديق فارغة أو معدمة، حتى أن البلديات حالياً عاجزة عن تأمين رواتب موظفيها، أو تسيير آلياتها أو تأمين الإنارة والتيار الكهربائي لمكاتبها، إضافة إلى ما يمكن أن يستجد من خلافات عائلية ومناطقية، بسبب الحراك والتنافس المناطقي والبلدي.
لكن على الرغم من هذه القناعات والحقائق الصلبة والواضحة لدى الكثير من الأطراف، فإن غالبيتها سارت واشتركت في مسرحية المطالبة إعلامياً وأمام الرأي العام، بإجراء الانتخابات البلدية، والمزايدة بموضوع التهجم على من يريد تأجيلها، آملا بإحراج الأطراف المقابلة المنافسة وتسجيل النقاط عليها.
من هنا، كانت حفلة التكاذب المقنعة والمتقنة إعلامياً ودعائياً، خارج مجلس النواب وداخله، مع أكبر كمية من العنتريات الفارغة. والهدف فقط تسجيل نقاط إعلامية على الخصم من دون القدرة أو الشجاعة على الاعتراف بالحقائق المضمرة وغير المعلنة، والتي تفيد أن الانتخابات البلدية يجب أن تتم، ولتصبح مفيدة وفعالة في ظل سلطة سياسية مكتملة، بعد انتخاب رئيس البلاد، وتشكيل حكومة طبيعية، هي الحل المناسب في الوقت المناسب وليس الآن.
الحقيقة الوحيدة القوية والصلبة هي أن مجلس النواب إذا لم يعمل على انتخاب رئيس للجمهورية، باعتباره حجر الرحى ونقطة اكتمال العقد في البناء اللبناني، فإنه يكون كمن يحرق الإمكانات في غير محلها ومكانها. وهو بذلك يصبح لزوم ما لا يلزم.
الغريب أنه رغم التمديد، فإن الحكومة قررت الانطلاق في التجهيز والتحضير لإجراء هذه الانتخابات حين تسنح الظرو،ف بالرغم من أنها لن تسنح بغياب رئيس البلاد المنتظر وكامل العدة السلطوية الرسمية.
في المقابل، فإن صراخ وأوجاع المواطنين والموظفين المنهكين والمتهالكين في محيط المقرات الرسمية وأبواب المصارف، حتمت على الحكومة الوكيلة في هذه الظروف إقرار زيادات غريبة جداً وبالغة الارتباك والخطورة.
فبعد رفع الدولار الجمركي لتأمين إيرادات، أقرت الحكومة وفي سابقة في تاريخ الزيادات، دفع أربعة اضعاف الراتب كمثل رشوة مستعجلة لإسكات الموظفين المضربين والمعدمين، من دون تحديد شطور أو نسب للزيادة، مما يضرب مبدأ العدالة ووحدة المعايير في الزيادة المقترحة على أجور القطاع العام، ويكرس اللامساواة في الأجر والتعامل بين الموظفين.
عملياً، الزيادات المقترحة على الرواتب، ستساهم في زيادة التضخم بشكل كبير وغير مسبوق، طالما هي من خارج سلة مكتملة ومتكاملة للمعالجة الإصلاحية، انطلاقاً من خطة تعافي متماسكة وقوية وفعالة. وهذا ما يسمى بسياسة ” لحس المبرد” المعروفة نتيجته مسبقاً. وذلك عبر زيادة من دون مداخيل مؤكدة أو مضمونة، لأن رفع الدولار الجمركي كإجراء لتحصيل المداخيل سيقوي الاقتصاد غير الشرعي، ويبيح التجاوزات الأمنية والجمركية وأساليب الفساد والرشوة والتهرب الضريبي الموجود أصلاً، والمطلوب التصدي له وصولاً إلى إزالته أو تخفيفه.
كل هذه الإجراءات تصب في مجاري اقتصاد مريض ومنهك، في مصارف شبه مشلولة أو معطلة ومنعدمة الفاعلية، ودورة اقتصادية مختنقة تعاني من انسدادات تدور على المولدات العاملة بالمازوت المرتفع الثمن والكلفة.
في المحصلة، لا يمكن للحكومة أو أي حكومة الوقوف من دون خطوات معالجة. لكن عبر هذه الطريقة، كل المعالجات قاصرة، لأنها من خارج الإطار السليم والرؤية المتكاملة.
إن خطوات المعالجة الحالية قاصرة وضعيفة الفاعلية. وهي كمن يهرع إلى سد الثغرات في خزان مياه تنتشر فيه الثقوب في كل الاتجاهات والأحجام.
وبالتالي، فان النتيجة الحاصلة ليست إلا زيادة في الإرباك والانسداد، وسط ضجيج وصراخ مشابه لحالة الحمام العمومي “المقطوعة ميتو”، بعد أن ضاعت الطاسة فيه بسبب التدافع والمزايدة بين المستحمين الأشاوس.
