فيصل سنّو.. “مأمون بيك” المقاصد

أحمد الأيوبي
الصراع بين المقاصد وفرنسا صراعٌ متجذّر بدأ منذ لحظة الاستعمار وسعيها لفرض ثقافتها على المسلمين من خلال الإرساليات لهذا كان نموذج المقاصد مخالفاً لسياساتها بشكل جذري، وعلى هذه الخلفية استمرّت نظرة باريس لهذه المؤسسة العريقة.
قدّمنا هذه المحطات من مراحل حياة جمعية المقاصد لندخل من خلالها إلى مقاربة الواقع الراهن، ونتوقف عند المحطات والتحوّلات الآتية:

مجلس أمناء انقلابي
الاستنتاج الأول: أنّ جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية نشأت باحتضان رسميّ من الدولة العثمانية التي قدّمت لها المقرات والدعم وأسّست للنهضة التربوية والاجتماعية التي قامت بها النخبة المسلمة في بيروت وصيدا ابتداءاً.
الاستنتاج الثاني: أنّ توجهات الجمعية كانت إسلامية تربوية واضحة لا لبس فيها وقد حافظت أغلب إداراتها على هذا التوجه باستثناء مراحل خضع فيها المسلمون للاحتلال الفرنسي الذي أحدث انقلاباً قسرياً استخدم فيه القوة القاهرة في إقصاء الإدارة الإصلاحية النهضوية وفرض إدارة جاهلة مستهترة لضرب المقاصد ومشروعها.
الاستنتاج الثالث: أنّ الاحتلال الفرنسي اعتدى على الفكرة التأسيسية للمقاصد وهي كونها وقفاً إسلامياً كان يفترض أن يكون جزءاً من كيان دار الفتوى عند إنشائه بعد انهيار الدولة العثمانية، لكنّ الإدارة الفرنسية عملت على فصل المقاصد وتحويلها كياناً مستقلاً لإبعاد الجمعية عن جذورها الإسلامية وثوابتها الاجتماعية.
الاستنتاج الرابع: رغم قساوة التحوّلات التي شهدتها جمعية المقاصد، غير أنّها استطاعت تصحيح المسار وحافظت إداراتها بالإجمال على الثوابت وبهذا بقيت هويتها واضحة المعالم وتجسّد ذلك في شعارها الذي تضمّن مصحفاً مزيناً بالآية الكريمة:”وقل ربّ زدني علماً” وفي إطلاق التسميات الإسلامية على منشآتها وفي اعتماد التربية الإسلامية أساساً للتعليم.
الاستنتاج الخامس: يشبه ما يقوم به الرئيس الحالي للمقاصد الحامل للبكالوريوس البيطري فيصل سنّو بالتحالف والتعاون مع مراكز قوى فرنسية تعمل بين لبنان وباريس ما قامت به سلطات الاحتلال الفرنسي ضدّ هوية المقاصد وهو ما تواصل في فترات متعاقبة من الصراع الداخلي المتعلّق بالتوازنات في البلد.
معالم السياسة الفرنسية:
محاربة الإسلام واختراق المؤسسات السنية

فيصل سنو مستقبلاً السفيرة الفرنسية: إشكالية الدور وانحراف المسار
لفهم هذا العنوان علينا أن نُمعن النظر في السياسة الفرنسية تجاه أهل السنّة في لبنان ويمكن تلخيصها في الآتي:
ــ محاربة الإسلام كدين وبشكل متطرّف في فرنسا ونقل هذه الحرب إلى كلّ أرجاء المعمورة، وفي طليعتها لبنان، وإعطاء هذا الصراع بُعداً سياسياً من خلال الاصطدام بتركيا وإشهار التنافس معها بأبعاد استراتيجية منها الثروة النفطية المتمركزة في مثلّث قبرص (ومنها الشطر التركي من الجزيرة)، وسوريا ولبنان.
كان واضحاً أنّ فرنسا تسعى للاستيلاء على كلّ ما يمكنها الاستيلاء عليه في لبنان من عقود وصفقات وصولاً إلى الملف الرئاسي الذي يريد مانويل ماكرون تحويله إلى صفقة نفطية إضافية.
ــ ينطلق ماكرون في سياساته الإقليمية من الشراكة المتواطئة مع إيران العاملة على تأمين حمايتها منذ احتضان الخميني وإنجاح ثورته ورعاية مصالحها عبر العقود الماضية وصولاً للأيام الراهنة.
ــ عمل ماكرون على استنقاذ المنظومة الحاكمة منذ جريمة تفجير مرفأ بيروت وعلى تعويم “حزب الله” وفرض دمجه في العملية السياسية الوهمية التي أطلقها من خلال مواصفات تشكيل الحكومة التي حاول فرضها وانتهت إلى الفشل الذريع.

ــ سبق للسلطات الفرنسية أن سعت إلى تجنيس أعداد كبيرة من النُّخب اللبنانية لتحويلهم إلى جالية فرنسية كبيرة في لبنان تتمكّن فيها من التأثير الواسع في الخريطة السياسية والانتخابية لتعزيز موقعها وتدعيم منافستها لتركيا في المرحلة المقبلة.
ــ أعادت فرنسا حضورها في القطاع التربوي من خلال إعلان وزير خارجيتها جان ايف لودريان، أن بلاده ستستمر في دعم المدارس والأهالي في عدد من المدارس الفرنكوفونية (الأعضاء في شبكة وكالة التعليم الفرنسي: 7 مدارس من ضمنها مدارس البعثة العلمانية الفرنسية الخمس، والمدارس التي تتبع النظام الفرنسي وتعتمد البكالوريا الفرنسية وشريكة وكالة التعليم الفرنسي في الخارج).
وسعت السفيرة الفرنسية إلى تطبيع المقاصد مع سياساتها وقامت بزيارات متتابعة منها واحد في 29 مارس أبريل 2022 هدفت من خلالها إلى تعزيز موقع سنّو وتسويق التحولات التي يقوم بها تحت ذريعة الدعم المالي للجمعية.
ــ خصّ لودريان مدارس المقاصد دون سواها من المؤسسات الإسلامية بالدعم، وتحت هذه الذريعة باشر فيصل سنّو عملية الانقلاب على هويتها الإسلامية التاريخية، وهنا مربط الفرس.
تكرار سيناريو الاستيلاء على جمعية آل سنّو

العائلة المثيرة للجدل
سبق لفيصل سنّو أن استولى بأساليب ملتوية على رئاسة جمعية آل سنّو وسيطر على هيئتها الناخبة وأصبح رئيسها “إلى الأبد” وأقام شقيقه بديع دعوى بحقه شملت جوانب مالية وإدارية، وامتنع بعدها عن تقديم الدعم للجمعية واكتفى بمساعدة المحتاجين بشكل مباشر.
ما يجري في المقاصد الآن يشبه كثيراً فصول الاستيلاء على جمعية آل سنّو، ومكمن الخطر ليس فقط في ما يقوم به من تغريب واعتداء على هوية الجمعية، بل في ما يُحدثه من اختراقات في هيأتها الناخبة وأعضاء مجلس الأمناء وفي جسمها الإداري والوظيفي، بما يمهِّد لبقائه في رئاستها إلى أَمَدٍ غير محدود.
سنّو.. “مأمون بيك” المقاصد

وعلى الجانب الفرنسي من هذا الملف يشبه سلوك فيصل سنّو سيرة شخصية “مأمون بيك” في مسلسل باب الحارة وهو الذي يدخل الحارة في مهمة تهدف إلى شراء الأراضي والملكيات لصالح الفرنسيين والأهمّ نقل الولاءات والقناعات وإحداث التغيير في العقول للأجيال المسلمة لصالح النظرة الفرنسية للدين والسياسة.
يعمل الفرنسيون ويسعون لإنشاء جيل مدجَّنٍ من المسلمين يكون متفرنِساً في الفكر والمواقف والسياسة، وهذا ما يظهر أنّ فيصل سنّو اتفق مع الفرنسيين على تطبيقه في المقاصد، تحت عنوان الحصول على الدعم المالي وهذا ما استدعى تغييره اسم مدرسة السيدة خديجة الكبرى إلى “ليسيه المقاصد” في إطار عملية تغيير شملت شعار الجمعية بشكلٍ تدريجي.
لا يعفي فيصل سنّو من خطورة ما اقترفت يداه أيّ تبرير مثل زعم عدم تعريض رمزية القرآن الكريم في الشعار للوقوع في أماكن لا تليق به لأنّها ساقطة فلن يكون أحرص من الآباء المؤسسين على احترام القرآن الكريم، أو الزعم بأنّ السكرتيرة قدّمت له قرار تغيير اسم مدرسة السيدة خديجة فوقّعه بالخطأ وبدون انتباه.. فكلّ ما جرى له سياق تغريبيّ انقلابيّ متكامل.
