الاستعمار الفرنسي يبلطج على المقاصد.. ومحاولات الاختراق بعد الاستقلال

أحمد الأيوبي
في العام 1878 أصدر الوالي العثماني الإصلاحي مدحت باشا قراراً قضى بتأسيس جمعية الخيرية المقاصد الإسلامية في بيروت وأوحى لفعاليات صيدا بتأسيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية فيها.. في ذلك الوقت، كان يوجد لَجنة اسمها “لجنة حسبة صيدا”، مَهمتها حلّ كل المشاكل والخلافات والدعاوى التي تقع في المجتمع الصيداوي. فعرَفَت هذه اللَّجنة بتأسيس جمعية المقاصد في بيروت. فكان من الطبيعي أن تجري اتصالات بخصوص هذا الشأن. وكما فعل مدحت باشا بالتوجيه في بيروت، قام بالأمر نفسه مع صيدا ووهب لجمعية المقاصد أرضاً أو مكاناً الذي هو نفسه اليوم المكان (أو العقار المقاصدي) الموجود حالياً على “ضهر المير” أي كلية المقاصد.

وهذا المكان، كان مستشفى للحكومة التركية. كما وهب الجمعية أيضاً قصراً قديماً يُقال أنّه قد كان لآل حمود الذين أتوا من المغرب. وهذا المكان الذي هو مسجل باسم الدولة التركية، بالإضافة إلى مدرسة للبنات، وهبته الدولة التركية لجمعية المقاصد.
والذين أسسوا جمعية المقاصد كانوا من وجهاء صيدا في تلك الفترة مثل: الحاج إسماعيل القطب والحاج محي الدين حشيشو ومُنح بك الصلح الذي كان من معيّة الوالي، وكان لديه تأثير فعّال من حيث مساهمته بتأليف جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت وصيدا.
وقد تأسست جمعية المقاصد سنة 1296هـ. أي منذ حوالي مئة وأحد عشر عاماً. أما الأساتذة الذين كانوا يتولون عملية التدريس فيها، فهم من المشايخ مثل: الشيخ يوسف الأسير، سليم البابا. وهذا الشخصان لم يطل بقاؤهما في صيدا، بل انتقلا إلى بيروت وعلّما هناك. وقد كانا من أوائل الأشخاص الذين علَّموا في جمعية المقاصد في صيدا. ومن الأساتذة أيضاً الشيخ عبد الحميد القواص والشيخ كامل الكردي والشيخ مصطفى الشريف والشيخ صالح خروبي.
وبنشوء هذه المدرسة تولدت لدى المجتمع الصيداوي عاطفة قوية من أجل تنميتها والنهوض بها. وقد كانت هذه المدرسة في البداية مدرسةً ذات اتجاه ديني للمحافظة على القرآن الكريم والعلوم الدينية، وبدأت تترقى وتتحسَّن تدريجاً ومع تطوُّر الأيام، إلى أن نهض بها عبد الرحمن البزري.

في السنين التي تحوَّلت فيها جمعية المقاصد إلى أن تكون مؤسسة، أصبح هناك اتجاه علمي عربي. وفي ذلك الوقت، لم يكن أمام الشباب الذين يودون متابعة تحصيلهم العلمي الراقي، إلاّ الدراسة في استنبول. كما كان يوجد دار للمعلمين في بيروت تخرَّج منها عدد من الشباب، ولكن الأشخاص الذين كانوا راقين علمياً وثقافياً ووصلوا إلى درجات علمية راقية، هم الذين ذهبوا إلى اسطنبول.
اختلف السلطان عبد الحميد مع مدحت باشا فحلت جمعية المقاصد واختلف رجال الإتحاد والترقي مع أعضاء الجمعية الائتلافيين فحلت الجمعية ثم نهضت بعد انتهاء الحكم العثماني وانطلقت مرحلة الاستثمار العقاري في مباني البيبلوس والريفولي وقهوة الحمراء ومبنى المقاصد. إلا ان الحرب الأهلية أفقدت الجمعية مواردها وأبنيتها وأوقافها من جهة وحاصرتها فوائد القروض المصرفية من جهة ثانية حصاراً كانت الغاية منه الضغط إما للسيطرة على الجمعية أو لحلها.
وبقي الحال الى سنة 1918 عند انتهاء الحكم العثماني وبداية الاحتلال ثم الانتداب الفرنسي، فرأى رجال المقاصد الفرصة سانحة لاستعادة أملاك الجمعية ومدارسها فطلب المفتي الشيخ مصطفى نجا ذلك ووافقت السلطة على طلبه تدعيماً لسلطتها ومحاولة منها لاسترضاء الطائفة الإسلامية فتألفت هيئة جديدة سنة 1918 برئاسة المفتي نجا أخذت بتنمية موارد الجمعية وتحصيل أموالها فأكملت قهوة في محلة السنطية (المعروفة بقهوة الحمرا والذي كان نعيم أفندي ناظر اوقاف بيروت والمقرب من أبي الهدى الصيادي قد استولى عليها على أنها وقف بني عز الدين) فيها 19 مخزناً ويعلوها 21 غرفة ودائرة علوية في محلة ميناء الفحم من 12 غرفة ودار ومعصرة ودكاناً في محلة الرجال الأربعين وأدوات في محلة رأس النبع لمدرسة الإناث وطالبت 1989 باسترجاع المدرسة السلطانية . وبناء لطلب الجمعية ألغي سنة 1921 استملاك أرض المقابر الإسلامية من قبل البلدية.

الاستعمار الفرنسي يبلطج على المقاصد
أيام الاستعمار الفرنسي تراجعت أوضاع جمعية المقاصد في صيدا إلى أن تولى رئاستها المرحوم محمود الشماع عام 1936 ونهض بها إلى مستويات متقدّمة.. ومدارس جمعية المقاصد الآن بشكلها الحالي هي نتيجة جهد هذا الشخص المقتدر، لكنّ سلطة الاستعمار دفعت ببعض عملائها للتحكّم بأوضاع صيدا ودعمت ممارساتهم فعملوا على وضع اليد على مرافق المدينة ومنها جمعية المقاصد فأخرجوا المرحوم الشماع بالقوة وأبعدوه عن إدارة الجمعية.
كان الاتجاه السياسي في الدولة اللبنانية الخاضعة للاستعمار الفرنسي هو إبعاد القيادات الرائدة الساعية لتقدّم المجتمع، خصوصاً في المناطق الإسلامية. فأيام رئاسة إميل إده للجمهورية سنة 1936 اتجهت الأنظار لوضع اليد على كافة الأمور، ومن جملتها جمعية المقاصد. وكان محمود الشماع من خيرة الشباب الوطني في المدينة. فكان يجب إزاحته من مركزه في جمعية المقاصد، فدخلت جماعة إلى كلية المقاصد وسيطرت على الجمعيـة، وهي موعز إليها من قِبَل أشخاص معينين، وأخرجوه منها بالقـوة وسلموها لجماعة أخرى.
بعبارة واضحة، عمل الاستعمار الفرنسي على تنفيذ انقلاب على الإدارة الإصلاحية النهضوية في جمعية المقاصد والإتيان بعصابة تمتصّ خيراتها وتمنع تقدّمها ونهضتها.
وحسب ما يذكر الأستاذ سعد الدين حشيشو في مقابلة أجريت معه بتاريخ 19 تشرين الثاني 1986 تحت عنوان:”تاريخ وتطور جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا من خلال التجربة الذاتية”:”مرت فترة قُويَ فيها الشيخ بشـارة الخـوري، والسلطة في الدستور اللبناني، كما هو معلوم، لرئيس الجمهورية، فلم يعد باستطاعـة رياض الصلح بأن يفعل ما يريده، أي تنفيذ البيان العربي المتقدم، فاصطدم ببشـارة الخـوري واستقال من مركزه، أو بمعنى أصح، أقيل، فأتوْا من بعده بالشيخ عبد الحميد كرامي، وهو رجل دين ذو قلب مفتوح، وليس لديه تجارب بالمخطط المرسوم، فاستلم الحكم وكان وزير الخارجية هنري فرعون وكانت كل الدولة في بداياتها الأولى، في ذلك الوقـت، حتى كادت المناطق الإسلامية أن “تفرط” (تزول)، مع اصطدام رياض الصلح بالرئيس بشارة الخوري انتقل هذا الصراع على السلطة بدوره إلى المقاصد وضعفت كثيراًحين تولى إدارتها عبد المجيد لطفي وكانت أضعف المراحل التي مرت بها الجمعية.
يتبع..
