شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

كتب عارف العبد في المدن

لا يمكن على الإطلاق التغاضي عن الحركة والمبادرة الحيوية المكثفة التي أبدتها فرنسا ولا تزال تبديها تجاه لبنا،ن في التعاطي مع قضاياه. فقد سجلت الدبلوماسية الفرنسية، وعلى وجه الخصوص في عهد الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، نقاطاً متقدمة، نسبة للآخرين، تجاه لبنان.
إذا أردنا المقارنة بين الحراك الفرنسي تجاه لبنان وباقي الدول المحيطة والمعنية أو المهتمة أو الطامحة لنفوذ ومصالح فيه، فما من شك أن فرنسا برئاسة ماكرون تتقدم على باقي الدول والأطراف الإقليمية والدولية، على الأقل في العقد الأخير، من دون أن ننسى الدور الكبير والتاريخي والمميز طبعاً للرئيس جاك شيراك تجاه لبنان، والذي يبقى في المرتبة الأولى من الاهتمام.

لقد نفذت فرنسا، ولا تزال سلسلة قفزات في لبنان وانطلاقاً منه. وهي مستمرة، ولن تكون آخرها الإحاطة المتقدمة بالمرشح الرئاسي سليمان فرنجية، وما رافق ذلك من اقتراحات وتصورات.

القفزة الفرنسية الأولى الناجحة في التوقيت تجاه لبنان في السنوات الأخيرة، كانت بعد واقعة الاستقالة التلفزيونية الشهيرة للرئيس سعد الحريري من المملكة العربية السعودية في تشرين الثاني 2017.

في تلك اللحظة الحساسة والصعبة، والمحاطة بالغموض والتشويق، قفز ماكرون قفزة موفقة وفي التوقيت المناسب، لكي يتحرك بين باريس وبيروت والرياض، متدخلاً بقوة وخفر ورصانة، لينجح في النهاية في التوصل إلى إخراج لائق وناعم للاستقالة التلفزيونية المرتبكة وغير المقنعة للرئيس الحريري يومها، بكل خلفياتها، وملابساتها، ومخاطرها، ومعانيها.

سجل ماكرون في هذه الحركة نجاحاً يسجل له، أسس فيه لرصيد شخصي وسياسي لبلاده، ومصداقية في التعاطي مع الأوضاع الدقيقة التي كان يمر بها لبنان في علاقاته الداخلية والعربية.

المبادرة الأخرى أو القفزة الماكرونية الثانية الناجحة، كانت في الزيارة المبادرة التي نفذها ماكرون على شكل إنزال دبلوماسي وإعلامي، بعد ساعات من الانفجار الرهيب الذي وقع في الرابع من آب 2020 في مرفأ بيروت، والذي دمر بمصادفة مؤلمة نصف العاصمة تقريباً أو أغلب الأحياء المسيحية التاريخية والتراثية فيها، والتي قاربت عمارتها وهندسة وقسم كبير من أبنيتها العمارة الفرنسية الكولونيالية الشبيهة بالعمارة الفرنسية.

في حالتي التدخل الأولى والثانية، كان تدخل ماكرون ناجحاً من حيث الشكل والمضمون. إذ ظهر تدخله وكأنه في مواجهة حالة من اليأس والصدمة.

في الحالة الأولى، حالة استقالة الحريري التلفزيونية، كانت هناك صدمة من الاستقالة الحريرية، شكلاً ومضموناً. وفي الحالة الثانية، كانت حركة ماكرون مناسبة وموفقة أيضاً شكلاً ومضموناً. إذ أن بيروت وسكانها كانوا يغرقون في حالة يأس وصدمة وقنوط، فأتت زيارة ومبادرة الرئيس الفرنسي لتعطي الرأي العام دفعاً ومساندة قوية بعد الخذلان الذي تعرضوا له من القادة المسؤولين عنهم في لبنان.

الاندفاعة الفرنسية يومها، والتي اتبعت باجتماع قصر الصنوبر، وما رافقه من اقتراحات أو أفكار متعجلة ومتسرعة وارتجالية، حين تحدث عن عقد اجتماعي جديد، وما تبع ذلك وحكي آنذاك عن مبادرة فرنسية سياسية وحكومية، تولى الحكم الذي كان متولياً وقابعاً في بعبدا، تدميرها وإفقادها أي أمل بالنجاح.

بطبيعة الحال، إن دور فرنسا التاريخي بكل أبعاده في لبنان والمنطقة، أهّلها لكي تكون شريكاً أساسياً وشبه دائم على طاولة البحث الإقليمي والدولي في أي مبادرة تجاه لبنان، بالتشارك مع الولايات المتحدة الأميركية والعربية السعودية.

لقد حققت فرنسا نتيجة لهذا الحراك مكاسب كبرى لا يستهان بها، أبرزها دورها الأساسي والكبير في حصة التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية، كما أن فرنسا حجزت لنفسها حصة ودوراً مرتقباً في البحث والتنقيب عن النفط والغاز في حوض شرقي المتوسط، الذي يعتبر حالياً نقطة الاستقطاب الأقوى والأهم في المنطقة. وليس خافياً أن فرنسا، ونتيجة لدورها المؤثر في لبنان، نجحت أيضاً في أن تنال حصة وافرة من عقود التنقيب وملحقاتها في العراق وباقي دول المنطقة، من دون أن ننسى صفقات التسلح، وبيع الطائرات التي يحتاجها الاقتصاد الفرنسي، والتي أُبرمت لصالحه.

المقصود في كل هذا الكلام الإشارة إلى أن الدول ليست جمعيات خيرية، والمحبة الفرنسية لكل ما هو لبناني حتى آخر أغنية ولحن وصورة للسيدة فيروز، ليس لوجه الله، بل أيضا لوجه فرنسا ومصالحها في لبنان والمنطقة. ولبنان الموعود بالنفط والغاز هو بوابة، وصالة عرض، وصلة وصل وتجارب لفرنسا وغيرها، إلى أدوار وحصص في دول المنطقة، وحقوقها، وحقولها النفطية والغازية.

إشارة إلى أن البراعة الفرنسية في هذه الأدوار المسرحية السياسية والدبلوماسية، سجلت على الدوام وجود عنصر درامي مسرحي مرافق لكل تحركاتها، تفوقت فيها على البراغماتية الأميركية الصلفة، التي مثلتها غلاظة وعنجهية بعض ممثليها، المعطوفة على فظاظة دونالد ترامب المرضية المبالغة والمتضخمة.

فمع الغزوة الدبلوماسية والإعلامية الأولى لماكرون، خرجت وسائل الإعلام بصور الرئيس الفرنسي، يعانق بحنان طافح! المواطنين المنكوبين في الجميزة.

أما في الزيارة الثانية، فقد كان واضحاً الجهد الكبير، الذي بذله الرئيس الفرنسي وفريقه للإعداد للزيارة، في حفظ جملة “بحبك يا لبنان” إشارة إلى تعلقه العاطفي بأغاني وتراث السيدة فيروز، سفيرتنا إلى النجوم، المقطوعة عنها الكهرباء والغارقة في العتمة!

لهذه الأسباب والغايات كلها تنخرط فرنسا بقوة واندفاع في عملية البحث عن الرئيس المقبل، والمساعدة على اختياره، والدفع باتجاه تنصيبه. وقد تكون الطموحات الفرنسية بتطوير وتعظيم عقودها في المنطقة وبالتحديد مع إيران، وسوريا مستقبلاً، غير بعيدة عن دوافع الاندفاعة الفرنسية الظاهرة لتسويق المرشح سليمان فرنجية المرضى عنه والمدعوم من إيران وسوريا.  

الواضح حتى الآن أن المساعي الفرنسية في تسويق مرشح خط الممانعة، النائب السابق فرنجية، لم تنجح لأسباب متعددة.

المساعي الفرنسية لن تتوقف طبعاً هنا.

صحيح أن شركات فرنسية حققت نسباً كبيرة واستحواذاً محترماً على حصص متقدمة في عقود استثمارية في مؤسسات لبنانية مدمرة أو متعثرة أو مفلسة، من محطة الحاويات في المرفأ إلى شركات البريد المقبلة، وصولاً إلى السيطرة على حصة متقدمة في تسويق وبيع الفستق الحلبي والمكسرات والكاجو…! لكن ذلك لا يعني أن الغزوات والمسرحيات الأخوية الفرنسية، قد انتهت، بل إن النزال ما زال منطلقاً.

والرئيس المقبل للجمهورية، مع ما يحمله من وعود وعقود وهدايا وتنفيعات وصفقات، تبدأ من طهران وتمر بالرياض ودمشق، عليه أن ينتظر بعد.. قبل الوصول إلى بيروت، على أمل أن لا يكون الانتظار طويلاً.

شاركها.