أحمد الأيوبي
رغم تراجع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عن قراره تأجيل العمل بالتوقيت الصيفي إلاّ أنّ وسائل التواصل الاجتماعي شهدت استمراراً في السجال ومحاولات لتصوير ما جرى على أنّه هزيمة للسنّة وانتصار للمسيحيين والبناء على ذلك لإطالة أمد الاشتباك الطائفي ونشر الإحباط في أوساط المسلمين والتحريض على إطلاق خطابات الغضب ورفض الآخر في محاولة لتحويل إشكالية الساعة إلى محطة توتير دائمة يجري حفرها في الوجدان اللبناني باعتبارها حدثاً يؤشِّر على سقوط فكرة العيش المشترك، وهذا ما يحتاج إلى نقاش وجداني بعيد عن الحسابات السياسية.
لقد تعجّل مسلمون ومسيحيون الاستسلام لمشاعر الكراهية وكنّا نظنّ فيهم وعياً أكبر، فمن كنّا نظنّهم متمسّكين بفكرة الشراكة الإسلامية المسيحية سارعوا إلى اعتناق الغضب الطائفي الذي غذّته آلة خبيثة مستغلّة أتفه الأسباب وأقصر الوسائل للإثارة والاستقطاب، وذهبت شرائح واسعة من الجمهورين إلى التسليم بأنّ “فتنة الساعة” كشفت حقيقة ما في الصدور وشهدنا بكائيات مرتجلة ومضطربة تعلن يأسها من العيش معاً بكثير من الانفعال الذي لا يصلح إطلاقاً في مقاربة القضايا المصيرية.
في مواجهة ما شهدناه من الجانب المسلم لا بدّ من استحضار حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما أوصى ثلاثاً: لا تغضب. فالغضب هنا مدعاة للجهالة والنكوص عن العقلانية والتوازن الفكري والاجتماعي بينما نحتاج في هذه الكارثة التي نغرق فيها إلى استجماع عناصر الوحدة، خاصة أنّ ما جرى لا يطال شأناً دينياً، ومقام رئاسة مجلس الوزراء ليس مقاماً دينياً مقدّساً، بل إنّ رمزيته تأتي من كونه موقعاً للحضور السني في الدولة، وهذا يعتمد على عمل وسلوك من يشغل هذا المقام، هل يحسن إدارته أم يسيئها.
أخطأ الرئيس نجيب ميقاتي وطنياً عندما رضي الانزلاق أو الشراكة مع طرح الرئيس نبيه بري وهما تسبّبا معاً بالتضامن والتكافل باندلاع هذه الموجة من الشقاق بين اللبنانيين، وبالتالي فإنّهما يتحمّلان المسؤولية عن تداعيات القرار واضطرار ميقاتي للعودة عنه خسارة شخصية خاصة به ولا علاقة لها بأهل السنة من قريب أو بعيد، فهو عندما اتخذ القرار لم يتخذه باعتباره فتوى شرعية، بل كان قراراً إجرائياً ينبغي اتخاذه وفق الآلية الدستورية في مجلس الوزراء.
كشفت “ساعة الفتنة” ثغرات كبيرة في التماسك الاجتماعي والوطني وأثبتت أنّ السلطة والمنظومة تستطيع تكرار نصب أفخاخ معروفة ومكشوفة وتنجح في استدراج شرائح واسعة من اللبنانيين إليها لأنّ مناعتنا الوطنية لا تزال ضعيفة في كثير من المواضع، وكان من أخطر تجليات هذا الضعف وقوع مرجعيات دينية في دائرة الاشتباك كما حصل بتدخّل بكركي من منطلق ديني جرى ربطه بتوقيت مناسبات دينية وتحويل الإشكال إلى اشتباك إسلامي مسيحي، وليس انطلاقاً قواعد العمل الدستورية.
أثبتت “فتنة الساعة” أنّ فكرة الشراكة الإسلامية المسيحية هي الحقيقة الثابتة بين اللبنانيين لكنّها تفتقر إلى من يحميها ويدافع عنها عند وقوع الأزمات وهذه مسألة ينبغي على كلّ من يعنيه استمرار لبنان بصيغته التشاركية أن ينظر إليها بقلق وأن يعمل لتحصين جوهر لبنان، وهذا يستدعي من المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية إجراء تقييم عميق لما جرى واستخلاص العِبـَرِ واتخاذ الخطوات اللازمة لمنع تكرار هذا السقوط الوطني المخيف.
في تقييم ما جرى أتوجّه بسؤال واضح إلى كلّ من لوّثوا أنفسهم في “فتنة الساعة”: ماذا بعد طرحكم لكلّ شعارات الكراهية والتباعد واستحالة العيش معاً، إلى أين تعتقدون أنّه يمكن الوصول بهذا المسار؟
رغم كلّ مشقّات العيش معاً والتي تعود إلى تاريخ طويل من النزاعات، لكنّ خلاصة أساسية لا ينبغي نسيانها، وهي أنّ لبنان بصيغته التشاركية شكّل ملاذاً آمناً للمسيحيين وللمسلمين حماهم من أن يبتلعهم بحر الديكتاتوريات قبل وبعد الاستقلال، فبدون المسيحيين يُمحى لبنان الكبير وبدون المسلمين ينفضّ العالم العربي عن لبنان.
يحتاج اللبنانيين اليوم إلى تنظيف ذاكرتهم وتطهير ألسنتهم من آثامٍ ارتكبوها بحقّ أنفسهم وبحقّ وطنهم في أيامِ صومٍ متزامنة إسلامياً ومسيحياً وعلى كلّ من لوّث ضميره بالتورّط في هذه الفتنة أن يتوب عنها ويفتح صفحة من التفكير الحرّ المبنيّ على الإيمان الديني الصادق الرافض للكراهية والداعي إلى المحبة والشراكة.
