“موقف اليوم” الصادر عن
الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية
تحاول بعض الأصوات والأقلام تصوير ردّ الفعل المسيحي على التلاعب بالتوقيت بأنّه ينمّ عن خوف من التحالف السني الشيعي ممثّلاً بالرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي وخلفهما السعودية وإيران وتحديدًا على أثر الاتفاق السعودي-الإيراني، وهذا التصوير مجافٍ للحقيقة قولاً وفعلاً.
وبمعزل عن ردود الفعل الغرائزيّة من هذا الفريق أو ذاك، إلا أنّ الاعتراض الأساسي والذي عبّرت عنه “القوات اللبنانية” بشخص رئيسها الدكتور سمير جعجع تحديدًا كان على ثلاثية طريقة تخريج القرار أولاً، وكأنّ لبنان يُحكم من مجلس عشائري وليس من دولة ومؤسسات فتتخذ القرارات في جلسات دردشة على فنجان شاي، وعلى المخالفة الدستورية ثانيًا باعتبار أنّ تعديل التوقيت بحاجة إلى قرار جديد عن مجلس الوزراء ولا يمكن استبداله بمذكرة، وعلى التلاعب ثالثًا بتوقيت معتمَد في معظم دول العالم، خصوصًا أنّه لم تبرز مطالبات بهذا الاتجاه الذي أقحم البلد في انقسام كان بغنى عنه بالتأكيد.
وتجاوز الاستغلال الطائفي يكون عن طريق صدور مواقف تصوِّب على الاداء السياسي، وقد صدرت عدّة مواقف من مسلمين ترفض تعديل التوقيت بالخفة التي حصل فيها بعيدًا من مجلس الوزراء والدستور، ولو تمّ التصدي لهذه المسألة منذ اللحظة الأولى من المربّع الذي صدرت عنه لما أعطت الانطباع الخاطئ عن انقسام مسيحي-إسلامي، وما حصل يجب أن يشكل درسًا للجميع بضرورة معالجة الفعل لا التلهي بردود الفعل، ومعالجته من بيئته قبل البيئات الأخرى، والاعتراض على الجانب الدستوري والمؤسساتي قبل أي اعتبار آخر.
والانقسام الفعلي في البلد ليس بين المسيحيّين والمسلمين، إنما بين الفريق المؤيد للثورة الإيرانية في لبنان ويضمّ مسيحيّين ومسلمين، والفريق الذي يريد دولة وسلاح واحد ويضمّ مسيحيّين ومسلمين، وأي تفاهمات خارج هذا السياق تكون في خدمة مشاريع سلطوية ولا علاقة لها بجوهر الانقسام الذي يحول دون قيام دولة تطبِّق الدستور وتُمسك بقراري الحرب والسلم.
ومقولة الخوف المسيحي من الاتفاق السعودي-الإيراني غير صحيحة وهي محاولة لحرف الأنظار عن خطأ جسيم في إدارة الدولة من خلال ربط ردّ الفعل المسيحي وكأنه ضدّ هذا الاتفاق، فيما السعودية اليوم أقرب مثلاً إلى الخط اللبناني المسيحي التاريخي من فرنسا التي أطلق عليها تاريخيًّا تسمية الأم الحنون للمسيحيين.
فلولا الرياض لكانت أبرمت باريس مقايضة رئاسية تُبقي لبنان تحت هيمنة الممانعة. ومقاربة الاتفاق السعودي-الإيراني ليست على قاعدة التقاء السنة والشيعة واتفاقهما على تقسيم ساحات النفوذ بينهما، ومَن يتكلم بهذا النفس يسيء إلى المملكة العربية السعودية، لأنّ الاتفاق حصل على أساس الالتزام بالمرجعيات الدولية ورفض التدخل في شؤون الدول الداخلية.
والإشكالية في لبنان لا تختلف عن الإشكالية في الساحة الفلسطينية والسورية والعراقية واليمنية وغيرها لجهة الأذرع الإيرانية التي تحول دون قيام دول واستقرار وازدهار، وبالتالي الإشكالية بين السعودية وإيران ليست مذهبية ولا طائفية، إنما إشكالية بين الرياض التي تريد سيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وتحويل الشرق الأوسط إلى أوروبا جديدة، وبين طهران التي تزعزع استقرار دول الشرق الأوسط وتريد ابقاء هذه المنطقة في مستنقع الحروب والجهل والتخلف.
ومَن يقلق من الاتفاق السعودي-الإيراني هو مَن يخشى أن يؤدي هذا الاتفاق مثلاً إلى تطبيق اتفاق الطائف، والسفير السعودي الدكتور وليد البخاري كان شديد الوضوح في تصريحه من معراب بأنّ “لبنان عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وحماية شعبه وإنقاذ هويته مرتبطان بالأمن القومي العربي والسلام الإقليمي والدولي”، وبالتالي كل الكلام عن مقايضات وتخلٍّ عن لبنان ساقط، وتهديد شعبه وهويته هو تهديد للأمن القومي العربي، كما أنّ الهدف المنشود هو الوصول إلى السلام الإقليمي والدولي.
ومطلب معظم المسيحيين لا يختلف عن مطلب معظم المسلمين بقيام دولة لا ازدواجية سلاح فيها وترسيخ الاستقرار وتحقيق الازدهار والعدالة والمساواة والشراكة، وما تعمل عليه المملكة يرتكز على مبدأ النصوص المرجعية: اتفاق الطائف في لبنان، وعضوية لبنان في الجامعة العربية، وعضوية لبنان في مجلس الأمن، فلا خروج في أي اتفاق عن الشرعيات اللبنانية والعربية والدولية، لأن أي خروج بالتجربة يُبقي المسيحيين والمسلمين في لبنان في قلب مزرعة لا في كنف دولة.
ونتمنى على بعض السياسيين والكتاب وقف التحوير وضبط مخيلاتهم الواسعة المسيئة إلى الواقع والحقيقة، فلا المنطقة منقسمة بين السنة والشيعة، ولا لبنان منقسم بين المسيحيين والمسلمين، والانقسام في المنطقة هو نفسه في لبنان بين مشروعين لا ثالث لهما:
- مشروع الدول الوطنية الذي يحاكي العصر والتطور والحداثة.
- مشروع الثورة التدميريّة للأوطان والدول والإنسان المسيحي والمسلم.
