شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مصعب الاحمد بن احمد


ما الذي جعل الرجل أيام دخول التتار الى بغداد يجلسه المغولي ليذبحه فيستسلم له دون أي مقاومة  ، ثم يعرض للمغولي أمر ، فيغيب لساعة ، ثم يعود فيجد الرجل على نفس الجلسة فيذبحه !!
والداهية الأدهى أنه ربما يُجلِس معه آخرين ، ولو اجتمعوا عليه بأيديهم لحيدوه ، ولعلهم أصيبوا بحالة نفسية تسمى “عجز الثقة ”  ..
مالذي يجعل بعض “النخبة” تقحم أسماءهم في مشاريع تفريق الأمة ، وتحزيبها ، وتغريبها ، وافسادها ،  فيطيعون أو فينساقون اليها كأنها القضاء الذي لامرد له ، بمنتهى التسليم والاستكانة والضعف ؟
انه ” عجز الثقة “
مالذي يجعل المصلح الذي هو مناط الاصلاح  تداس كرامته ، وينتهك عرضه ، ويذل ، ويهان ،  ويلدغ من الجحر ألف مرة ، ويكتفي بالحوقلة والحسبلة ، دون حتى أدنى تفكير في رد ، أو تغيير ، أو حتى رحيل ؟
انه “عجز الثقة”
مالذي يجعل الأغنياء الصالحون ينكفئون على أنفسهم ، ويمسكون عن عون اخوانهم أو دعم ما فيه رفعة الأمة والناس ، ويلتزمون بتعاليم ولي الأمر ، خشية ورهبة ، أويكتفون بما يظنونه خيرا ضمن محيط ولي الأمر وتحت نظره ، أو يغلقون باب الإنفاق خشية من وجع الرأس ،  وبيدهم المال ، أعظم مفاتيح الأعمال الانسانية والخيرية  .
وهم لو أرادوا لوجدوا ألف طريق وباب ، يمكنهم من خلاله أن يبلغوا المقصد ، ويوصلوا الغاية ، لو كانوا اصحاب قرارات حاسمة ، وشخصية قوية ، واعية  ..
لكنه ” عجز الثقة “
وهل ينتظر هؤلاء جميعا أن تسمح لهم الأنظمة المستبدة بعمل ما فيه عز الأمة ورفعتها ، وجمع كلمتها ، واستقامة أمرها ونهضتها ؟ أو أن تفعل هي مافيه صالح ذاك ؟
حق ولا ريب أنه لا يمكننا أن نسمي هذه سذاجة لأن السذاجة مرحلة أعلى بكثير من ذلك .
العالم العاجز لن ينفع الأمة بشيء بل هو أضر على الأمة من الجاهل وسيكون أداة طيعة في يد الحكام والمستبدين ، يضربون به كيف أرادوا ويخذلون بها العامة من الناس  .. 
والصالح العاجز لن يفيد مجتمعه بشيء  ، بل ربما يضر المجتمع تخاذله ، ويميت على الناس دينهم ، فالاسلام ليس بحاجة الى عبادته وزهده وانقطاعه ، بل بحاجة مسلم فعال مصلح يغيير ولا يتغيير ، يضيء للناس معالم الطريق ، ويكون شوكة في حلوق الآكلين ..
ولعمري :
متى يصل العطاش إلى ارتواء
إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد
وقد جلس الأكابر في الزوايا
وإنَّ ترفع الوضعاء يوما
على الرفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل والأعالي
فقد طابت منادمة المنايا
والغني العاجز لاحاجة للاسلام والأمة به ، ولا بماله اذا كان يضعه في نفسه ، أو في يد الظلمة أو تحت عيون المستبديين الذين لن يسمحوا له أن يصرف قرشا إلا فيما يبني أمجادهم ويهدم الإسلام ، ذاك الذي إن قوي سيهدم عروشهم وعروش النظام العالمي كله .
في الإسلام خذوا ما اتيناكم بقوة
الفاجر خيانة مع قوة
العاجز امانة مع ضعف
لا يكون المسلم خوارا جبانا متخاذلا سلبيا ..
أي بنيّ :
اقبح مافي الاستبداد العالمي ، والطغيان المحلي  ، ليس ما يفرضه من سدود وقيود ، ولا كم الباطل الذي يجعله يجول ويصول ، ولا فرط القسوة والطغيان ، ولا القدرة والغلبة والخبث فهي كلها موجودة منذ كان الشر في هذا الكون، بل ما يبعثه في نفوس الناس من الارجاء ، والوهن ، والعجز ، والخوف ،  ليحولهم بالتدريج  الى ظواهر صوتية ، ثم هباء لا قيمة له ثم عملاء .
القاعدة الاسلامية الذهبية في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر “غير بيدك فان لم تستطع فبلسانك فان لم تستطع فبقلبك وذلك أضعف الايمان  “
لا ادري كيف فصلها هؤلاء على مقاسهم ؟!
والحديث يقول فان (لم تستطع ) فما هي حدود الاستطاعة؟  ومن المخاطب بها ؟ ومتى وكيف وانى تعتبر ؟
ان لم تستطع ان تغيير الباطل بيدك في بلدك واستطعت تغييره لكن من خارجه فاخرج ..
ولا يقبل منك ان تغييره بلسانك لتقول عجزت .
وان عجزت حقا فغيره بلسانك فان لم تستطع في بلدك فاخرج وغيره ..
فان عجزت عن ذلك كامل العجز واستفذت كل الوسع وسدت امامك الابواب فلا يقبل ان تتعايش مع الباطل وترضى به عندها تقول اللهم هذا منكر لا ارضاه ، ولا ينتهي الامر بذلك ولايقف الامر هنا بل تظل مترقبا اي فرصة وسانحة ولحظة لتخرج فتغيره تراتبيا . فان لم تفعل كنت شريكا له ..
‏ قال العزالي رحمه الله (لا ينفك عجبي من احترام المطبلين لباطلهم وترويجهم له، واستهانة المحقين بحقهم وخذلانهم له) ‎..

بعض “النخب”  يخشون أن يقولوا كلمة حق ، أو ينصروا اخوانهم ، أو يحركوا الناس لفعل اي شيء ، أو حتى يتفاعلوا بمنشور أو حتى تعليقا بكلمة على منشور في صفحة فيسبوك باسم وهمي ، لان مركز الزلزال وقع في بلد آخر لايقع تحت سلطة ولي الأمر وصاحب الجلالة والفخامة !!
وعندما تتكلم يؤصلون لك المسائل :
فقه المصالح ، الضرر يزال ، ثلث تمور المدينة ، الغاية تبرر الوسيلة . لا تتلف نفسك ، العين لا تقاوم المخرز ..
ويالله لو رآهم علماء الأصول  .
كتبت هذا الكلام عقب مجلس ضمني ببعض الأخوة الذين نحسبهم على خير وكان أحدهم  داعية معروف ،وكان مما قال : نحن طعام على مائدة اللئام ، ليس لدينا مشروع ولا مخطط ، ولا كتلة ،  ولا دعم ، ولا جماعة قوية ، ولا انصار ، ولا دولة ولا معين ، ويقصد أهل السنة ، نحن مشتتون ، متفرقون ، مضطهدون ، هم يخططون لنا ويقررون عنا ونحن هباء لا شيء ، المخطط الذي يجري اليوم مكتوب منذ عشرين سنة ونحن الآن أدوات او مناديل تستعمل وتستهلك ثم ترمى بالقمامة ولا حول لنا ولاقوة  ..
قفلت وانا اتفكر في هذا المعنى ، لم كل هذا العجز ؟  لم كل هذا التسليم ؟  لم كل هذا الوهن والضعف ؟ وهل يحتاج العدو لأكثر من هذا يبلغه منا ؟ استسلام كامل دون قيد أو شرط مجانا ..
اذا عجزت او يئست لا يحق لك ان تيأس وتعجّز من حولك .
وما فائدة أقوى الأسلحة إذا فقد الانسان الإرادة والعزيمة على استعمالها ، وما قيمة الإرادة إن لم تتحول لفعل .
عجز الثقة يحول أعظم الأسلحة والأدوات إلى خردة بلا قيمة ..
وإذا كنت طعاما على موائد اللئام كما تقول  فلتكن على الأقل شوكة تجرح حلوقهم ، وغصة تقف في افئدتهم وعندها فقط تعذر إلى ربك .
هذا الكلام لايعني افراطا ولا تفريطا  فليس من العقل أيضا إِهداف الانسانِ نحره لسيوف الأعداء ، ولا التهور باعمال ومشاريع وعنتريات خالية من اي تدبير وحكمة وعقل ..
بل من تمام الهمة وكمال العزيمة الاعتدال واستعمال المتاح والوعي مع الحكمة والحذر والنظر في البدائل ، والسبل ، والطرق ، مع عدم الاستكانة والعجز …
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرا يوم كان المتاح هذا ، ثم جهر بالدعوة ، ثم سمح بالهجرة ، ثم استخفى وتسلل الى الغار ، ثم هاجر الى المدينة ، وخاض بعدها معارك عديدة لم يكن يوما فيها هو الأقوى والأكثر .
حكى أحد الأخوة الاتراك أنه يوم كان حظر الحجاب والمدارس الشرعية الدينية ، وكانت اللحية والعمامة والمظهر الاسلامي تهمة وعقوبة  كان احدهم ولسنوات يرمي له المال من خلف سور المنزل مرفق برسالة مكتوب فيها (لتعليم القرآن ) لكيلا يكشف امره .
وقال : كنا ندخل الطلاب الى الأقبية ، والمغارات وندخل معهم من الطعام والحاجات ما يكفيهم ستة أشهر ثم نغلق النوافذ بالأخشاب إلا ما ينسم الهواء ليظهر أن القبو مهجور ، ولا يرى الطلاب الشمس كل تلك الفترة ، وكنا نتلطف ونتخفى ، ونعلم أنه لو وشى أحد بنا أو عثر علينا لواجهنا عقوبة الإعدام لكننا لم نتوقف ولم نعجز .
قلت:  فما أعظم همة ذاك الشيخ إلا ذاك المحسن ..
وحكى لي أحد الشيوخ الجزائريين أنهم كانوا يحفرون سراديب في الأرض توصل الى ممرات توصل الى غرف تمويهية يضعون عليها فدائيين ثم غرف تعليم ، ثم خطة هروب ومنافذ ..
وكم وكم قتل الفرنسيون من شيوخ تلك الزوايا عندما عثروا عليها .
فما كان من تلامذتهم الا أن غيروا المكان فقط وتابعوا عملهم لصناعة جيل قهر فرنسا وأذلها لاحقا  ..
لم يعجزوا ولم يهنوا ولم يضعفوا ولم يتخاذلوا لحظة .
كان أحد الشيوخ في الشام يخطط وينفذ ويرتب ويكتب الرسائل والمناشير ويقلق الظلمة ويزعج العصاة والفساق ، ويهيج الشعب ، ويعمل كل مايشاء ولايعلم حتى طلابه به ، بل يتكلف اسلوبا غير اسلوبه وكأنه أحد الاعاجم لكي لا يشعرن به أحدا ، حتى قال له  يوما أحد المجرمين أعلم أن كل ما يحصل بتدبيرك ولكن لا أملك الدليل ..
وعجبا ثم عجبا كيف يستطيع الأعداء زراعة بعض الشخصيات والجواسيس بيننا  ليتبوأ احدهم أعظم المراتب ويبقى محافظا على سره خمسين سنة ويخدع الناس ويصبر على ازدواجية الشخصية ويعيش حياتا متناقضة في قلق مستمر يأكل القلب ويقض المضجع وهم دعاة على ابواب جهنم ، ولا يحتال لذلك اهل الحق بحجة أن العين لا تقاوم المخرز .
افقئوها فلا خير فيها اذا ..
لقد بلغ العجز والهوان لدى الشباب مبلغا اعتقدوا من خلاله ان الهواء والماء ، والليل والنهار ،  يتحرك بأمر النظام العالمي وأنه يعلم السر وأخفى ولايتحرك شيء إلا بأمره ..
رحم الله عمر الفاروق عندما استعاذ بالله تعالى من “جلد الفاجر وعجز الثقة “

شاركها.