شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

خاص البديل

حاول الرئيس سعد الحريري وفريقه تحويل زيارته إلى لبنان إلى “حدثٍ تاريخي” له ما بعده وأنّها ستكون محطة استثنائية في مساره العام، وأنّ هناك تهافتاً سياسياً للقائه وأنّه عاد لينتقم ويؤدِّب الخارجين عليه أو “الغادرين” به، من خلال رفض استقبالهم وتسريب ادعاءات ومزاعم مغلوطة حول مواقفهم، لكنّ كلّ هذا تبخّر بانتهاء الزيارة وعودة الحريري إلى مزاولة نشاطه المالي والاقتصادي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

الملاحظة الأولى أنّ فريق الرئيس سعد الحريري حوّل ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري إلى محطة تمجيد شخصية لسعد على حساب الذكرى الأساس، فغاب عن التغطية ما يجب أن يُقال في حضرة هذا الاستشهاد الكبير ليحضر التفخيم والتعظيم المصطنع والمبالَغ فيه لشخص سعد، حتى شعر الرأي العام أنّ المنظمين والموجِّهين سياسياً وإعلامياً نسوا الهدف الأساس المفترض للذكرى.

الملاحظة الثانية هي أنّ النائحين على غياب الرئيس سعد الحريري عن السياسة هم معسكر الممانعة ابتداءً من رأسه، الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله الذي أظهر في كلمته الأخيرة خالص العزاء باستشهاد رفيق الحريري وهو الذي أدانت المحكمة الدولية قائداً كبيراً في حزبه بجريمة الاغتيال، ومعروف أنّ نصرالله أعلن رفضه لاستقالة الحريري من حكومته الأخيرة وكان أبرز المدافعين عنه والداعين إلى بقائه في واجهة العمل السياسي.

أمّا الرئيس نبيه بري فإنّه سبق أن وعد بإحضار “لبن العصفور” لسعد حتى يستمرّ في الميدان، ولا يخفى أنّ علاقته بالحريري أبعد من نطاقها الشخصي وتمتدّ إلى طبيعة التركيبة السياسية، وما قدّمه الرئيس الحريري من خدمات لا يمكن حصرها للثنائي الشيعي.

أمّا النائح الأكبر على تعليق الحريري عمله السياسي، فكان الرئيس السابق ميشال عون وصهره جبران باسيل، اللذان أجريا اتصالين متكاملين مع الحريري وعرضا عليه صفقة جديدة مع تفكّك عرى تفاهم مار مخايل، واعترفا بأنّهما أخطآ بحقه عندما انقلبا عليه بعد الصفقة الرئاسية المشؤومة.

عندما تنطق صحيفة الممانعة باسم الحريري

أمّا الملاحظة الثالثة، فهي أنّ جريدة “الأخبار” الناطقة باسم الممانعة في لبنان، تحوّلت إلى ناطقة بأفكار الحريري ومكمن التسريب حول طريقة تعامله مع القوات اللبنانية خصوصاً، رغم أنّ زيارة وفد القوات كانت محصورة بتجديد التعزية باستشهاد الرئيس رفيق الحريري وحوّلتها “الأخبار” إلى انتقام وهمي لا صلة له بالواقع.

كيف تعامل الحريري مع القوى والشخصيات السياسية؟

تعامل فريق الحريري مع الاحزاب والشخصيات بفوقية مصطنعة، مستغلاً حبّ الناس لرفيق الحريري والتزامهم بقضيته، وشمل هذا الأسلوب بعضاً من أشدّ الموالين للرئيس سعد الحريري.

كان أبرز ضحايا هذا الاستعلاء النائب وليد البعريني الذي منعه الفريق الأمني على الضريح من قراءة الفاتحة، وهو الآتي من عكار على رأس وفد من ثلاثين سيارة، بذريعة وجود سفيرة أجنبية تزور الضريح، ثم رفض حرس بيت الوسط استقباله، ليعود في اليوم التالي مع وفد “تكتل الاعتدال” بعد أن تلقّى الدرس هو وأعضاء التكتل.

أما الوزير محمد شقير فقد تعرّض للتهميش الفاقع، إلى درجة عدم إدراج اسمه في لائحة الشخصيات التي استقبلها الرئيس الحريري، والاكتفاء بذكر وفد الهيئات الاقتصادية التي يرأسها شقير نفسه، كما حرصت تسريبات بيت الوسط على التأكيد بأنّ الحريري لم يمنح شقير اجتماعاً خاصاً منفرداً. هذا على الرغم من أنّ شقير التزم بعدم الترشّح للانتخابات النيابية الأخيرة وبقي متماشياً مع التوجه العام للحريري، لكنّ ذنبه أنّه حاول مساعدة أهالي بيروت وبعض المناطق السنية في هذه المحنة.

من خارج زوّار بيت الوسط، حظي النائب فؤاد المخزومي بحملة تشهير جديدة وتلقّى كمّاً هائلاً من الشتائم والهجمات من خلال “الذباب الأرزق” في ذكرى استشهاد رفيق الحريري.

أمّا النائب أشرف ريفي فقد حظي بالحصة الأوفر من الافتراء والتسريبات التي ركّزت على أنّه سعىى جاهداً لطلب موعد مع الحريري وأنّ الأخير ردّ عليه بشكل “صادم” وأنّ ريفي بقي مُصِرّاً على طلب اللقاء لأنّه استشعر أنّ عودة سعد باتت حتمية وأنّه يسعى لاستلحاق نفسه في كب “التائبين”.

والملاحظ هنا أنّ جوقة إعلامية شاركت في هذا الضخّ المدروس، كان من بينها موقع “لبنان 24” المعروف بأنّه تابع للرئيس نجيب ميقاتي، وكان للأخير مواقف يتباكى فيها على خروج الحريري من الساحة السياسية، رغم أنّه كان من أشدّ منتقديه في الإعلام وخارجه، وكان المستفيد الأول من هذا الغياب.

إستكمل إعلام الحريري حفلة التشويه لريفي من خلال استحضار الكوادر الفاشلين في مرحلة 7 أيار وأبرزهم غسان بلعة الذي فشل في مهماته التي كانت موكلة إليه كضابط ومستشار أمني للحريري، ليطلق مزاعم عن أداء ريفي في تلك المرحلة.

حاول إعلام الحريري أن يدقّ الإسفين بين ريفي والقوات على اعتبار أنّ وفد القوات زار الحريري من دون ريفي، وفي هذا تجاهل لحقيقة أنّ ريفي ليس عضواً في كتلة القوات وأنّ حركة وفدها كانت حزبية وريفي عضو في كتلة “تجدّد” ومن البائس استعمال هذا الأسلوب الفاشل في مقاربة العلاقات السياسية.

حرص جورج بكاسيني في وثائقي “النهاية” على تصوير أنّ الحريري كان يرفض فكرة المواجهة الميدانية، متجاهلاً التجربة الفاشلة للشركة الأمنية التي وُضعت لها ميزانية خيالية إختلسها من تولى إدارتها بعد اللواء الشهيد وسام الحسن، وسقطت معها بيروت ودخلنا نفق التنازلات التي انتهت بخروج سعد من المشهد.

لم يطلب ريفي موعداً والأرجح أنّه لو دُعي لما استجاب ولأن المسألة تحولت إلى تحريض سياسي، حيث لم يتغيّر شيء من أسباب الافتراق، ولعلّ أبرز المآخذ على ريفي من هذا الفريق أنّه قال بأنّ الحريري انتهى سياسياً، والواقع أنّ الحريري علّق نشاطه السياسي وخرج من المشهد، وهنا يبدو توقع ريفي أقرب إلى الصواب أو غير بعيد عنه.

كاتب البلاط السبع يوقع بين الأخ وأخيه

وما كان لحلفة العبث هذه أن تنتهي إلاّ برسالة خطّها “كاتب البلاط” باسم السبع ملأها بالمغالطات وخصّها لتبرير الفشل وتقديس الشخص، وللهجوم على بهاء رفيق الحريري بدون مبرِّر منطقيّ، في انعكاس للضيق الكبير الذي يعانيه سعد من أيّ تحرّك على الساحة السنية، فيما هو عاجز عن فعل أيّ شيء سوى إطلاق الوعود الفضفاضة.

إلهاء الرأي العام عن الأولويات

نجح فريق الرئيس سعد الحريري في تضييع البوصلة وإلهاء الرأي العام عن النقاش في الأفكار الأساس التي ينبغي استحضارها في ذكرى استشهاد رفيق الحريري، وأهمّها كيفية استعادة الدولة بسيادتها ودورها والشراكة الإسلامية المسيحية وكيفية الحفاظ عليها، كما أنّ الناس لم تسمع شيئاً عن الموقف من قاتلي الشهيد الكبير.

سؤال آخر فرض نفسه وهو هل هكذا تكون الزعامة بالتخلي عن الناس وإدارة الظهر لهم في ذروة محنتهم؟

كلّ هذا السياق يثبت أنّ ما جرى في ذكرى استشهاد  رفيق الحريري كان حفلة انتقام وهمية عبثية انتهت بمغادرة الرئيس سعد الحريري للأراضي اللبنانية، وإلى اللقاء في العام المقبل.

شاركها.